اختراق في الجنوب. اختراق في الشمال. اول من امس الاثنين كان لبنان في وضع "طبيعي" جدا مع الشقيق والعدو. لكن الوضع الأمني جيد بنسبة 80 في المئة، استنادا الى وزير الداخلية، لولا الإشكال بين قوات الامن و"حزب الله" في منطقة الرويس في الضاحية الجنوبية، والاعتصام "الاسيري" في صيدا. اما الوضع السياسي فسجل هو الآخر "اختراقا" ايجابيا بالتوافق على الانفاق الحكومي، إلا ان قانون تثبيت المياومين شهد فرزا غير مفهوم جمع للمرة الاولى مختلف القوى المسيحية مع الاصرار على القول إن موقفها سياسي وليس طائفيا.
تراجعت اذاً موجة قطع الطرق وحرق الدواليب، لكن الى حين. وليس معروفا اذا كان الفضل في ذلك يعود الى الخطة الامنية ام الى "تعاون" الاطراف السياسية مع هذه الخطة. ذاك ان "الامن بالتوافق" يبقى هشا وموقتا، ويبقي الحذر والترقب مهيمنين، اذ يخرج المواطن من بيته غير مطمئن الى ما يمكن ان يصادفه في طريقه الى عمله. ينطبق ذلك خصوصا على صيدا هذه الايام حيث يستمر اعتصام الشيخ السلفي احمد الاسير وانصاره محرجا الدولة وامنها ومختلف القوى السياسية بمن فيها تلك التي تلتقي "موضوعياً" مع الدافع الى الاعتصام: بتّ مسألة السلاح غير الشرعي.
استوحى الاسير تحركه،المحرج ايضا بسلميته، من الاعتصام في وسط بيروت خلال 2007 و2008 الذي لم يكن هدفه سلميا في البداية بل كان يرمي الى الهجوم على السرايا الحكومية. اثار الاسير مسألة "كرامة طائفة"، معتبرا انها لا تزال مطروحة في العقول والقلوب، اولا لان "السلاح غير الشرعي" الذي انتهك تلك الكرامة لا يزال سائدا ومهيمنا، واصبحت له حكومة تديره، وثانيا لأن الطرف الذي انتهك تلك الكرامة لا يعترف بأنه ارتكب خطيئة وطنية بل يعتبر 7 ايار "ثورة مجيدة". الفارق بين الاعتصامين ان احدا من الجهات التي ايدت احتلال بيروت لم يقل إن ما حصل "لا يمثله" وإن كان يؤيد اهدافه السياسية، اما اعتصام صيدا فكثير من الجهات التي تؤيد اهدافه السياسية تقول بوضوح إن الاسير "لا يمثلها" خصوصا عندما يمذهب خطابه بمثل هذه الحدة التعصبية. لكن ظاهرته باتت تلقى صدى هنا وهناك، إما باسقاطها على الاوضاع العامة، او تأثرا بتداعيات الحدث السوري وتداخله مع الانقسام السياسي في لبنان.
بعد جلستين لـ"هيئة الحوار الوطني" وثالثة مقررة بعد ثلاثة اسابيع، ليس متوقعا تناول سلاح "حزب الله" على النحو الذي يعزز دور الدولة. فالواقع السياسي لا يسمح بذلك. فلولا اعتصام بيروت وغزوة 7 ايار وخلفيات الاغتيالات السياسية والانقلاب الحكومي لكانت مشكلة السلاح اقل تعقيدا. هي ليست مسألة طائفة وانما هي مسألة مرتبطة بالدولة والموقف من موقعها ووظيفتها. المذهل ان "حزب الله" لم يدرك بعد انه مُطالَب بمبادرة للتصالح مع اللبنانيين، رغم انه صار بأمس الحاجة اليها.