#adsense

هوميروس على تويتر

حجم الخط

 التاريخ، في غالبه، مجموعة حماقات ومخارق. وكل حماقة تفتح دائرة تدمير لا تلبث ان تتحول دوائر لا نهايات لها. اشهر الحماقات كانت اقدمها. الحصان الخشبي الذي حمل في داخله فرسان الهزيمة في حرب طروادة. صدق الاغبياء انه هدية مثيرة، كما روى لنا هوميروس، الذي ألف، شعراً، الاوديسة، وباقي الملاحم التي كتبت بعده. فكل دور في الالياذة والاوديسة، كان شخصا ملحميا ورمزا من رموز الدراما البشرية. ومنذ هوميروس لم تتغير طبيعة الصراعات: دائما هناك آلهة في المشهد، يغضبون او يحرضون او ينتقمون. وفي كل صراع هناك كعب اخيل، نقطة الضعف وموطن العطب، في نهاية المطاف.

وصل محمد مرسي الى رئاسة مصر في قلب حصان خشبي. ولأن الدنيا تغيرت قليلا بعد ثلاثة ألفيات من قصائد الشعراء العميان، لم يكن الحصان خشبيا هذه المرة. كان عبارة عن شريط كهربائي يسمى احيانا "فيسبوك"، واحيانا "تويتر" ودائما "الانترنت". عندما ادرك النظام العربي ان هدية الحصان الخشبي الجديد، مجرد خدعة الكترونية لاستبدال الانقلابات العسكرية بانقلابات الميادين، كان الاوان قد فات. كما في طروادة.

تأملوا محمد مرسي: مهندس متخرج من اميركا، جميع قيمه مرتبطة بالقرن الهجري الاول. لكن جميع ادواته مأخوذة من علم القرن الحادي والعشرين. يرى في نهج الحياة الغربي برمته، كفرا وتجديفا، ولكن بما ان الضرورات تبيح المحظورات، فهو يعتمد "التويتر" سلاحا وجوديا تماما مثل "الفانتوم". عندما تنبه النظام العربي الى ان الانترنت تسللت من بين اصابعه المتصلبة، كانت خدعة الحصان الخشبي قد فتحت ابوابها وترجل منها الخيالة.

عليك ان تبحث الآن في الالياذة والاوديسة كي تجد ماذا يناسبك في لعبة المقارنات الازلية. وسوف ترى ان ما غفلت عنه كان عظيما، فكيف بالذي غفل عنه اصحابه. ألم يظن الفرنسيون انهم سوف يعوضون هزيمة الحرب العالمية بانتصار في الهند الصينية؟ وماذا حدث؟ اذلهم محاربو الفيتمينه شر مذلة. وكان الاميركيون يراقبون ففركوا ايديهم طربا بعد مشاورة مع مصباح علاء الدين، وحملوا جميع الاسلحة، وبعد ربع قرن هزمهم الفيتكونغ تلك الهزيمة المدوية. وماذا ذهب السوفيات يفعلون في افغانستان ولماذا تبعهم الاميركيون الى المقابر نفسها؟

التاريخ مجموعة حماقات. يكرر الرجال اخطاء اسلافهم، وخطاياهم وانكساراتهم، لأن الغرور لا نتيجة اخرى له ولا معادلة اخرى. العصور تتغير، لكن المعادلات الرياضية اذا تغيرت حصل خلل عظيم في الكون. في خدعة الحصان الخشبي تغير الاسلوب وبقيت المعادلة.

عندما استعد صدام حسين لمواجهة 33 دولة في حرب الكويت، ملأ الصحراء دبابات خشبية لترويع الاميركيين، لم يحسب ان الخشب سريع الاحتراق. ولا حسب ان اي قارئ للتاريخ قد ادرك ان هذه الخدعة البصرية افلست منذ ايام روما. وشيء آخر: منذ روما الى اليوم ظهر شيء يسمى الاقمار الصناعية، قادر على تصوير التعرق على وجوه لاعبي كرة القدم. خشب.

دائما كان الفارق هائلا بين الذكاء والتذاكي. يروي علي عبد السلام التريكي للزميل غسان شربل في "الحياة" ان معمر القذافي كان يظن نفسه مفكرا، ولذا كان يعتزل في الخيمة ليفكر. الغباوة هي الاعتقاد ان التفكير في الانعزال وليس في العقل. ماذا نتج من تفكير صاحب الخيمة السيركسية؟ امر باسقاط طائرة مدنية ليبية لكي يتهم بها الاميركيين، ردا على لوكربي. وفي عزلات اخرى خطط لخطف وزراء "الاوبيك" في فيينا وقتل وزيره. وقبل ظهور الخيمة فكر في "الكتاب الاخضر"، اثقل مزحات الادعاء الضحل في عالم النشر.

خشي افلاطون انحراف الافراد وشططهم فدعا الى توزيع مسؤوليات الحكم على المجموعة. او الحكومة. كما دعا الى تدريب الطبقة الحاكمة منذ الصغر، لئلا تقع اي مسؤولية في يد ارعن او اخرق. لكن الذي حدث ان الحكومات ارتكبت اخطاء جماعية. او عجزا جماعيا كما يظهر ذبول الدولة اللبنانية حيال التحلل السياسي العام.

لقد ادت كوميديا الاخطاء الى قيام منطق مواز لمنطق العدالة وسير الاحوال. فالذين احرقوا بيروت من اجل الافراج عن وسام علاء الدين قالوا انهم يفعلون ذلك اسوة بما حدث في طرابلس للافراج عن شادي مولوي. وادى هذا الى قيام اعتصام في صيدا. حفلة جنون مأسوي والدعوة مفتوحة. تقول الاستاذة الطرابلسية سوسن الابطح في "الشرق الاوسط"، ان مظاهر المدينة تذكّر ببدايات الحرب. يومها اصيب اليسار بحال جنون فطرد المسيحيين من المدينة كجزء من الحرب من اجل فلسطين. والآن تجري اعتداءات واضطهادات على علويين من دون سبب الا الخواء الفكري العام وموسم الغرائز المتباينة.

تذكر هذه الاجواء السوداء بـ"الطاعون" في رواية ألبر كامو. عندما اكتشف الدكتور برنار ريو ان بواب عمارته مات بالحرارة المرتفعة، شخّص الاصابة على انها طاعون. لكن مصلحة الصحة في وهران رفضت ان تبني ذلك على وفاة واحدة. البقية واضحة. اوائل 1975 خرج وزير الخارجية فيليب تقلا من منزله في فردان فرأى جثة رجل مرمية في الطريق. لم يذهب يومها الى مجلس الوزراء بل الى المطار. كانت في ذهنه حكاية الدكتور ريو.

سوء التشخيص يؤدي الى انتشار الطاعون بانواعه، وخصوصا الاحمق منه. سر مؤسسة الحكم في الداخل الاميركي، ليونة النظام، وبناء التغيير على رغبات الشعب وضرورات المراحل. عندما قامت ثورة الطلاب في وجه ديغول عام 1968 ذهب الى قادة الفرقة الفرنسية في بادن بادن يسألهم الرأي في عمل عسكري، وكان بينهم صهره، جنرال آخر نسيت اسمه. قال الصهر: اياك وهذه الحماقة، سوف تحرق تاريخك وتدمر فرنسا.

سمي القرن الثامن عشر عصر المنطق. عصر العقل. عصر النهضة. العصر بدأت فيه السياسة بالنزول عن ظهور الخيل الى مكتبات المفكرين. وخرج الفكر من المطلقات الى الاستنارة. ومن الاساطير الى الحقيقة. ومن زمن العبوديات والاستبداد الى زمن الرؤية. كيف يكون الحاكم مصباحاً على درب البناء، لا كيف يكون محرقة وعذاباً.

لم يبلغ العالم النظام المثالي. ظلت دول حضارية تطلق أجمل الشعر والموسيقى مثل المانيا، وتطلق ايضا رجلا مثل هتلر والاشقاء هملر. وظلت ايطاليا المعتصرة بعصور النهضة تفرّخ دجالا مثل موسوليني، ثم تقتله. بعد الحرب العالمية الثانية اقسمت اعتى دولتين على نبذ السلاح المدمر: المانيا واليابان. الاولى اورثها القائد ركام برلين، والثانية ترك لها إله الشمس رماد هيروشيما وناغازاكي. لا الاولى تريد امبراطورية عالمية ولا الثانية تطويع آسيا وتركيعها وصولا الى روسيا.

يحين وقت لا بد من تعلم الامثولة. غرق نابليون في وحول روسيا واغرق هتلر المانيا في صقيعها. في الطريق اليها ومنها سقط الملايين من البائسين. حذر الرائع رالف والدو امرسون: "عندما تحلل احداث التاريخ، لا تكن شديد العمق، لأن الاسباب غالبا شديدة السطحية".

اختل شيء ما في توازن الملك الشمس بسبب الكعب العالي والشعر المستعار وسترة الفرو. نسي انه بشر. جاء مشرد بائس من سويسرا يدعى جان جاك روسو وقص منه الكعب العالي فغابت الشمس وسقط الفرو. الشعوب ان تخدمها لا ان تبيدها. ان تحبك، لا ان ترتعد منك، وفي سرها تدعو عليك ثم تنفجر فجأة في وجهك، كاشفة صدرها من داخل ومن خارج.

لم تتغير قاعدة الحماقة التاريخية: المبالغة في تعظيم الذات والمبالغة في تصغير الخصم. ولا تغيرت نتائج الربح والخسارة. دائما يربح الصغير والمستضعف ويفشل المغرور. فيما كانت ليبيا كلها تحترق في وجهه ظل معمر القذافي يصرخ: "من انتم؟ من انتم؟". وفيما هو هارب في الصحراء ظل يفكر: "انا شعبي يحبني. انا معي الملايين". من أنتم؟

تدفع الشعوب والامم غاليا ثمن حماقات الافراد والانظمة، وغاليا تدفع ثمن خداع الذات. عثرت اوروبا بغربها وشرقها ووسطها، على دولة القانون، بعد قرون طويلة من المغامرات الدموية وسنوات الاستبداد. وصل الديموقراطيون بعد سلسلة طويلة من الديكتاتوريين. موسوليني وسالازار وفرانكو وكادار وتشاوشيسكو واولبريشت وعقداء اليونان.

ليس "الاخوان" افضل البدائل من 60 عاما من النظام العسكري، لكنهم وصلوا بأفضل الوسائل، او بالاحرى بأكثرها مباشرة، كان التغيير صاخبا ومنفرا احيانا، لكنه غير دموي، لولا الجمل الذي ظهر آخر ايام مبارك، علامة من علامات الساعة. كيف سيتعامل "الاخوان" مع الديموقراطية التي اوصلتهم؟ يعد محمد مرسي بنائبي رئيس، قبطي وسيدة. يقدم ذلك منة الى مصر التي اسسها القبط، وفيها 40 مليون امرأة.
تحتاج الديموقراطية الى زمن طويل لتعلم لغتها. استخدام الانترنت ليس فيها. انه يستخدم ايضا لنسف الاطفال في العراق. ولنشر الجهل في ارجاء الامة.

المصدر:
النهار

خبر عاجل