مقاطعة مسيحيّة شبه كاملة أطاحت الجلسة التشريعية أمس لتنعكس تداعياتها اصطفافاً مسيحيّاً موحّداً انتظره المسيحيّون والقيادات المسيحيّة لسنوات طويلة. فالكتل المسيحية قاطعت الجلسة اعتراضاً على طريقة إدارة رئيس مجلس النوّاب نبيه برّي الجلسة التشريعية أمس الأوّل وإقرار مشروع تثبيت المياومين وجباة الإكراء من دون تصويت.
وقد تأخّر قرع جرس المجلس أكثر من نصف ساعة إيذاناً ببدء الجلسة، وذلك بسبب المشاورات التي أجراها الرئيس نبيه برّي في مكتبه مع الرئيس فؤاد السنيورة الذي أعلن بعد الاجتماع أنّه ليس من الحكمة عقد الجلسة في غياب الحضور المسيحي، آملاً في عودة الجلسات بعد الأخذ في الاعتبار الملاحظات والأفكار المطروحة وطريقة التعامل معها.
وبعد دخوله القاعة قال برّي: "بقي أحد عشر اقتراحاً على جدول الأعمال بعدما صدّق 23 مشروعاً واقتراح قانون، ولكنّني ألاحظ الآن أنّ هناك أطرافا سياسية أساسية غير موجودة، وأنتم تعرفون عادتي، وأتمنّى على الزملاء الكرام وعلى المجلس أن لا نتابع الجلسة حتى يكتمل الحضور".
وشدّد برّي على أنّ الأمر ليس "ميثاقاً طائفيّا أو ميثاقاً مذهبيّا كما يعتقد البعض، إنّما هو ميثاق سياسي أساسي" ثمّ وجه دعوة إلى أعضاء هيئة مكتب المجلس للاجتماع في الثالثة من بعد ظهر غد الخميس.
وقد قرّرت "القوات اللبنانية و"الكتائب اللبنانية" و"التيار الوطني الحر" مقاطعة الجلسة التشريعية اعتراضاً على الملابسات التي رافقت الجلسة المسائية في طريقة التصويت على ملفّ المياومين، مضافاً إليها ملاحظات على طريقة إدارة الجلسات والتعاطي مع النوّاب وتنظيم العمل في المجلس النيابي. وقد انسحب قرار المقاطعة على كتلتي الأشرفية وزحلة وسائر النوّاب المسيحيّين الذين لم يحضر منهم سوى النائبين ميشال موسى من كتلة "التنمية والتحرير" والنائب مروان فارس من كتلة "الحزب القومي السوري الاجتماعي" فيما حضر النوّاب روبير غانم وفريد مكاري ونبيل دو فريج ولم يدخلوا قاعة المجلس.
النائب أنطوان زهرا حضر بعد ساعة من قرع الجرس الى ساحة النجمة ولم يجب على أسئلة الصحافيّين، بل توجّه مسرعاً للانضمام الى اجتماع برّي وأفراد هيئة المكتب، ولدى مغادرته انهمك بإجراء العديد من الاتصالات من هاتفه الخلوي. ولمّا استوضحته "الجمهورية" عن الجهات التي يتّصل بها وعن مجريات التشاورات وموقفه من الاجتماع، أجاب: "أوّلاً أنا عضو في حزب وفي كتلة حزبية، وبالتأكيد لن آخذ موقفاً منفرداً إلّا بالتشاور مع حزبي ورئيس كتلتي، واتّصالاتي الهاتفية ليست سرّاً، ومن الطبيعي أن أجريها قبل اتّخاذ أيّ موقف".
وأشار إلى "أنّني أتيت بناءً على طلب من الرئيس برّي لحضور اجتماع هيئة المجلس النيابي للتشاور، واتّفقنا على اجتماع رسميّ في الثالثة عصر الخميس". وشدّد زهرا على ضرورة معرفة أنّ "تصديق المحضر يعني تصديق كلّ المحاضر وليس جزءاً منها، وبالتالي تأجيل تصديق المحضر 48 ساعة يعني تأجيل تصديق كلّ ما أقِرّ في الأمس بما فيها مشروع الإنفاق".
بدوره، اعتبر مكاري في حديث لـ"الجمهورية" أنّ الرئيس برّي لطالما كان "رائداً" في إدارة الجلسات النيابية، متمنّياً عدم تضخيم الأمر. وقال: "كان بإمكان برّي أن يصدّق القانون اليوم لكنّه لم يفعل وتريّث لبعد ظهر الخميس لاحتواء الأزمة وإجراء المزيد من المشاورات".
من جهته، استبعد السنيورة لـ"الجمهورية" أن تتّخذ الكتل المقاطعة خطوات تصعيدية "لأنّ الموضوع "المشكلة" يُصار الى معالجته، وهذا سيتمّ من خلال التواصل بيننا وبين الرئيس برّي". وشدّد على وجوب "استمرار التواصل مع كلّ فرقاء المعارضة، وقد تشاورنا مع الرئيس برّي، وآمل في الوصول إلى حلّ من خلال دراسة كلّ الأسباب التي استدعت هذه المواقف". وأكّد ضرورة إيجاد طريقة ليشعر الجميع بأنّهم مشاركون ويسهمون في العمل البرلماني في كلّ جوانبه".
كذلك، استبعد حمادة أن تلجأ كتل 14 آذار إلى التصعيد، وقال لـ"الجمهورية": "هناك مساعٍ للمعالجة واستيضاح الأمور والتداول مع رئيس المجلس". واعتبر أنّ المشكلة الحقيقية تكمن داخل الحكومة، "ونحن نخلط الأمور.
فهناك شخص داخل الحكومة لا يريد حلحلة الأمور ويصبّ الزيت على النار لأنّه يريد توظيف جماعته في البترون أو في الشمال ولا يتعاطى مع بقيّة المياومين. نحن نرفض هذا الأمر لأننا نريد عدالة في هذا الموضوع ورصانة في اختيار من سينجح في المباراة".
وإذ انتقد إدارة الجلسات قائلاً "عندما يرون أنّ النتيجة تلائمهم تصبح إدارة الجلسة سليمة"، وصف حمادة إدارة الرئيس برّي للجلسات النيابية في الأجواء القائمة في لبنان بأنّها "جيّدة عمومًا، وأنا أحترم طريقة إدارته لها".
وبالنسبة إلى خروق النظام السوري، حذّر حمادة من أنّ الأمور تتفاقم يوميّا، ونحن سنتابعها لأنّنا نشعر بأنّ العدوانية تجاه لبنان واللبنانيين ستتزايد في الايّام المقبلة. وختم قائلا: "أنا مش شايف بشّار الأسد مصيِّف".
أمّا النائب سامي الجميّل فتحدّث في اتّصال مع "الجمهورية" عن "أمور كثيرة غير سليمة تشهدها إدارة الجلسات، بغَضّ النظر عن أنّ الإدارة قد تكون سليمة في جلسات أخرى. لكنّنا لن نسمح بعد الذي حصل أمس الأوّل بأن لا تحترم التوافقية النيابية، إن كان على صعيد التضامن أو على صعيد ممارسة حقّنا التشريعي لإرساء عمل تشريعي يأخذ في الاعتبار كلّ المقتضيات المطلوبة".
وأضاف: "أمّا في ما يخصّ مشروع المياومين، فنحن في الأساس اعترضنا على بعض البنود وصودف أن جاء التصويت بطريقة غير محبّذة لتتفاقم المشكلة".
وشدّد على "أنّنا كنّا نأمل إدخال بعض التعديلات على بعض المواد لنضع ضوابط على موضوع التثبيت وتحديد العدد ونقاط أخرى عدة، لكنّ الرئيس برّي لم ينتظر مداخلاتنا ولم يسمع ملاحظاتنا، وقبل وصولنا إلى مرحلة التصويت كان قد صدّق المشروع وغادر القاعة".
وذكر الجميّل بأنّه طرح منذ فترة طويلة التصويت الإلكتروني "ولم يستجب لطلبي حتى الساعة"، لافتاً إلى أنّ "الجلسة الأخيرة أظهرت أهمّية إقرار هذا القانون حتى لا نقع في المستقبل في ملابسات جديدة".
وإذ أعلن "أنّنا نقدّر مواقف الرئيس برّي التوفيقية بين فريقي الثامن والرابع عشر من آذار، ولطالما راهنّا عليه، ولكنّنا فوجئنا هذه المرّة، ولا نعلم السبب الذي جعله يتصرّف على هذا النحو، فهو مارس صلاحيته بطريقة مختلفة عن السابق، ومن هنا جاء الاعتراض المسيحي، علماً أنّها المرّة الأولى التي يقف فيها المسيحيّون موحّدين أمام موضوع معيّن".
وإذ اعترف الجميّل بالعلاقة الممتازة التي تجمعه بالرئيس برّي إلّا أنّه في مكان معيّن "حصل خطأ معيّن لم يكن باستطاعتي السكوت عنه".
وعن الرابح سياسيّا من هذا الموقف، نفى الجميّل أن "يكون جبران باسيل هو الرابح الأكبر، إنّما المسيحيّون لأنّهم في هذا الاصطفاف تخطّوا كلّ الاعتبارات، ولو لم يقفوا مع الوزير باسيل في هذا الموضوع "لَمَا صار يللي صار اليوم"، فعلى المسيحيّين التعاون سويّاً في الملفّات المرتبطة بهم".
وسأل: "لماذا نُتّهم بالمذهبية والطائفية عندما يكون هناك غبنٌ يطاول المسيحيّين ولا يُتّهمون هم به عندما يلحق الغبن بهم؟" متمنّياً أن تكون هذه خطوة على طريق تقريب وجهات النظر المسيحية.
ويبقى السؤال: هل يكون الاصطفاف المسيحيّ اليوم مدخلاً لاصطفاف مسيحيّ سياسيّ في المستقبل؟