الربيع العربي.. ثورة “مع وضدّ” مفهوم الدولة

الثورة لا تكون ثورة إلا إذا ارتادت مسارات لم تسبق رؤيتها.
ومصطلح "الثورة" الذي أعاد الربيع العربيّ "استصلاحه" بشكل أو بآخر، كانت قد تناهشته ثلاثة أنواع من المثالب في العقود الماضية.

المثلبة الأولى نشأت في "سجن الأيديولوجيا"، فأقرّت "قانوناً مسبقاً للثورات". على أساسه يقوّم التغيير في بلد ما إن كان "ثوريّاً" أو "إصلاحياً" أو "معادياً للثورة" أو خائناً أو سارقاً أو مبدّداً لها. وهكذا نرى، أنّ أسرى "سجن الأيديولوجيا" كانوا الأكثر تحفّظاً واستعلاء على ثورات "الربيع العربيّ"، انطلاقاً من "قانون الثورات" المؤتمنين عليه، والذي يسهل توظيفه إمّا للحطّ من شأن أي تغيير فعليّ، وعمليّ، وميدانيّ، وإمّا للإيحاء بأنّ خطيئة أصليّة سادت في هذا التغيير من أوّله وحرفته عن مساره، أو بدّدت الطاقة المرجوة منه. وهناك أيضاً من لم يتردّد في استخدام "قانون الثورات" بشكل نافر ومريع ضدّ كل تغيير، وهو ما حدث خصوصاً في معشر الممانعين، الأقلويين والعلمانيين، بعد انطلاقة الثورة السوريّة، مع أنّ بعضهم كان الأكثر حماسة للثورة يوم لمعت كنجم بعيد في شمال أفريقيا.

والمثلبة الثانية تضخّمت في "سجن الإعلام والإعلان" الذي طفق يستخدم لفظة "الثورة" في العقود الأخيرة للحديث عن أي شيء، من "ثورة في مستحضرات التجميل" إلى "ثورة في مساحيق التنظيف"، حتى صار المصطلح يستخدم لوصف أي تغيير له مشهدية ميديائية وله حظوظ تسويقية أو ترويجية، وهو ما ترافق في السياسة مع حصر الجديّ من "الثورات" في "الثورات المخملية" التي أطاحت بالمنظومة الشيوعية، ما أدّى بالدرجة الأولى إلى تشويه هذه "الثورات المخملية" نفسها، والتعتيم على تناقضاتها وأبعادها الإجتماعية، واستبعاد تشعّب الأفكار والمقاربات التي انتجت في إطارها أو في أعقابها، وصولاً إمّا إلى الإستخفاف والطعن بها، وإما إلى استسهال سحرها، وتوّهم أنّ ثمّة وصفة إذا ما استجمعت مكوّناتها يمكن الإطاحة بأي نظام يوصف بالتسلّط أو الإستبداد أو الشمولية.

أمّا المثلبة الثالثة فحاولت "اعتقال المكان والزمان"، بأن حكمت عليهما بإنتهاء عهد الثورات، إمّا لأن "قانون الثورات" ما عاد قابلاً لإستقبال حالات تطبيقية جديدة، وإما لأنّ هذا القانون باطل من أصل، أو أنّ الثورات لم تكن في التاريخ الحديث إلا مجموعة من الكوارث التي حلّت بطائفة من البلدان، بسبب من عقائد ذات طابع إجراميّ، تداخلت مع شخصيات ذات طابع إجرامي. وهكذا طفقت جملة من المؤرّخين التبسيطيين تشنع بمختلف الثورات، وخصوصاً الفرنسية والروسية والصينية والإيرانية، فإمّا تجعل من تسلسل الثورات في التاريخ الحديث "موجز تاريخ للشرّ"، وإمّا تتلقط من هذه المسارات مرحلة وجيزة تبدو لها "معتدلة" و"جياشة" في آن قياساً الى تعرّج وتطرّف وعنفية ما بعدها، أي يجري البحث في كل ثورة عمّا هو "غير ثوريّ" للقول بعد ذلك انّ هذه الفترة غير الثورية كانت "الثورة الحقيقية" ثم استبدّت بها همجية الإنسان، تحت وطأة عقيدة أو شخص.

هذه المثالب الثلاث يواجهها الربيع العربي ويكاد يكون منذ البدء. أعداء الربيع العربيّ هم ثلاثة: واحد يتربّص له ممسكاً "قانون الثورات"، ومدقّقاً في الأوراق الثبوتية لكل ثورة، غافلاً عن حقيقة أنّ هذا التدقيق بالذات لا يرادف المقاربة النقدية في شيء. والثانيّ يتعامل مع هذه "الثورات" على أنّ مفهوم الثورة يمكن إطلاقه على أي شيء كان، كبر أم صغر، وسواء كان عابراً أم مزمناً وعميق الأثر. والثالث يعامل هذه الثورات باستعلاء على قاعدة أنّ سنونوات الربيع العربيّ لوحدها لا تكفي لاستئناف تاريخ الثورات.

بازاء هذه المثالب الثلاث، ربّما كان الأجدى في الوقت الحاليّ هو التأشير إلى معطى أساسيّ هو محور ثورية "الربيع العربيّ": نشأت هذه الثورات في عدد من البلدان العربية، التي ليس في كل منها "نظام" فقط، بل دولة منفصلة عن الأخرى، ولا مناص في هذا الصدد من نفي وجود دول في العالم العربيّ، فليس صحيحاً أنّه اما ان تكون الدولة حاضرة بتمامها وبالمثال الأرقى لها وإما ننفي وجودها. وهذه الثورات نشأت في حركة متناقضة: ليس فقط ضدّ الأنظمة، بل أيضاً مع وضدّ مفهوم الدولة كمفهوم، ومع وضدّ الدولة بالشكل الذي تعرفه بلداننا العربية. من جهة، هذه ثورات تبدو في لحظتها الراهنة مؤيدة لكي تنحصر كل منها في إصلاح "الدولة الوطنية" التي ورثتها من نظام التحرر الوطني القمعيّ الذي ورثها بدورها عن الخارطة الإستعمارية. ومن جهة ثانية، فإنّ هذه الثورات نشأت انطلاقاً من واقعة انتقال العدوى من بلد عربيّ إلى آخر، وهذا ليس بتفصيل.

انتقال العدوى من بلد إلى آخر ميّز اللحظة الأولى من الربيع العربيّ. ثقافة التضامن بين الثورات نشأت أيضاً من هذه اللحظة. لكنّ، التحدّي الآن هو تعرّف هذه الثورات الى بعضها البعض، وبالتالي تعرّفها الى الإشكالية غير المسبوقة التي سيطرحها الربيع العربيّ الى مفهوم الدولة، لأنّه كما قلنا إن كان ربيعاً "ضد الأنظمة" فهو أيضاً "ربيع مع وضدّ مفهوم الدولة". الناس نزلت الميادين ليس فقط ضدّ الإستبداد والتسلّط ومن أجل الكرامة والحرّية، بل أيضاً لأنّها وجدت في "الدولة" وليس فقط في "النظام" أو "الحاكم"، ما هو "الخصم والحكم": الإطار العام لقمعها واستغلالها وتهميشها، والإطار العام لتطلّعاتها وأحلامها. هذا التناقض لا حلّ له باجتراح قول أو شعار، انه يمثّل جملة الديناميات المتناقضة للربيع العربيّ، وهذه من لحم ودم.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل