العابرون في صيدا، في محاذاة الاعتصام، يسمعون كلاماً يجري الهمس به أيضاً في صالونات سياسية. العبارة الأبرز هي: «وأخيراً خرَج مِن الطائفة مَن يقيم التوازن مع السلاح»!
يرفض أنصار الشيخ أحمد الأسير وضعَه في خانة 14 آذار، مع أنّه أخذ عنها أعباء العمل لتنفيذ خطتها الموعودة، أي رفع وصاية السلاح عن الحياة السياسية. فهذا العنوان رُفِع في ساحة الشهداء بعد خروج الرئيس سعد الحريري من السراي.
وفي الوقت عينه، يرفض الأنصار اعتبار الأسير "شريكاً مُضارباً" لفريق 14 آذار في السعي إلى تحقيق الهدف عينه. فلا هو في الموقع الذي يتيح ذلك، ولا حجمه يمنحه القدرة على المضاربة، حتى الآن على الأقل. وكذلك يرفض هؤلاء وضع الأسير في الخانة السلفية، على رغم اللحى والزيّ الشرعي. والسلفيون الشماليون يؤيّدون أهدافه، لكنّهم منقسمون. بعضهم جاء إليه مُعانقاً، والبعض الآخر يحرِّم قطع الطرق.
المتحلّقون في صيدا حول إمام مسجد بلال بن رباح لا يبدون مهتمّين بالتصنيف السياسي. ما يهمُّهم هو فقط: رفع وصاية السلاح وطابعه المذهبي.
بعض المشاركين ينخرط في حراك سياسي للمرّة الأولى في صيدا. وفي رأي هؤلاء، أنّ السنّة في عاصمة الجنوب وبوابته لا يُكثرون من الأنشطة السياسية، كما سُنّة طرابلس وبيروت، ربما لأنّهم يحاذرون استثارة الحساسيات المناطقية. إلّا أنّ بعض المعتصمين كان مواظباً على الأنشطة التي ينظّمها تيار "المستقبل" في بيروت وصيدا وسواهما.
ويقولون: نحن نتحرّك دعماً للعنوان المرفوع في الاعتصام، وهو عنوانٌ رفعَه "المستقبل" و14 آذار. ونحن مستعدّون للمشاركة في أيّ نشاط يحمل العنوان عينه، أيّاً يكن الداعون إليه. فالنقمة على السلاح أصبحت أكبر من أن نتحمّلها، ولا تراجعَ بعد اليوم عن هذا الهدف.
تسألُ أحدَهم: ألا تخشى أن يؤدّي الاعتصام في منطقة حسّاسة إلى اندلاع فتنة مذهبية، يجيب: لطالما راهنَ أصحاب السلاح على خوفنا من الفتنة للمضي في تحقيق أهدافهم. لكنّ موقفنا لم يضع حدّاً لمخاطر الفتنة. والدليل على ذلك هو أنّنا اليوم في أقرب مسافة من هذه الفتنة. ولكن اطمئِنّوا. هذه المرّة سنواجه السلاح والفتنة في آن معاً.
اللعب بعيداً من الخط الساحلي
الواضح أنّه ما دام الاعتصام يقفل طرقاً صيداوية داخلية، فلا مشكلة أساسية لدى "أمل" و"حزب الله". وثمّة مَن يعتقد أنّهما سيراهنان على دور للفاعليات الصيداوية، الحريصة على سلامة الحياة الاقتصادية في المدينة، في إنهائه. وهكذا تنتهي المشكلة "في أرضها"، ومن دون أن ينغمس الثنائي الشيعي في المأزق. لكن، إذا ما شاء الأسير نقل الاعتصام إلى الخط الساحلي وإقفاله، فذلك سيطلق شرارة أزمة غير محسوبة النتائج.
وفيما كانت "التمنّيات الهاتفية" لوزير الداخلية على الأسير لرفع الاعتصام تراوح دون الإقناع، كانت "حكومة الاهتراء الشامل" تُسجّل رقماً قياسياً جديداً في إثبات عجزها:
في يوم واحد، "أكلَتْ كفّاً" على يد الأمر الواقع في الضاحية، وآخر من حلفائه في البقيعة، وثالثاً من الأعداء في الجنوب… فكيف تُمارَس "المراجل" على الأسير دون سواه! في أيّ حال، لا الأسير يبدو مستعدّاً للسير في نهج 14 آذار، ولا التطوّرات المتوقعة في الملف السوري عادت تسمح بضغوط على قادة الطائفة التي ينتمي إليها، كتلك التي مورست من قبلُ. وثمة شعور لدى شرائح سنّية بأنّ هناك مرحلة تنقضي في سوريا… وفي لبنان، إلى غير رجعة.
في مراحل سابقة، كان هناك خوف سنّي من المواجهة مع "حزب الله"، لئلاّ تتحوّل مذهبية. واليوم يخاف "الحزب" و"حكومته" مواجهة الأسير ورفاقه في بيروت والشمال، لأنّ الفتنة تتقدّم في خطى ثابتة.
في ساحة الاعتصام في صيدا، يتحدّث البعض، في ارتياح، عن لائحة بـ400 محلّ تجاري تدعم الاعتصام، وعن اجتذاب المزيد يومياً إلى الساحة. ويقول: لو لم تتنازل 14 آذار عن دورها ومسؤولياتها تدريجاً منذ العام 2005، لما برز الأسير. ولو لم توافق 14 آذار على التسويات، كالحوار اليوم، على رغم يقينها بأنّ هذه التسويات عقيمة وتخدم أهدافاً معينة، لما وجَد الأسير تعاطفاً كالذي يحظى به اليوم.
ولو لم ترضخ 14 آذار لـ"وهج" السلاح المذهبي في 7 أيّار، حتّى تنازلت له عن السلطة، لما نمَت السلفيات السنّية وامتلأت النفوس بالرغبة في التحدّي.
كثيرون هم الذين صنعوا السلفيين والأسير: "حزب الله" ودمشق وحكومتهما… وأيضاً 14 آذار!