#adsense

فليحكم الإخوان…لا “الإخوان”

حجم الخط

لا اخشى على المسيحيين من حكم الإسلاميين، ولكن شتّان ما بين الإسلاميين، وبينهم وبين التكفيريين والديكتاتوريين. الإسلاميون وصلوا الى السلطة على صهوة جواد مفهومٍ مسيحي-غربي إسمه "ديمقراطية".

الديكتاتوريون، مثلهم مثل التكفيريين، يسعون للإنقضاض على السلطة او الإحتفاظ بها، عبر اساليب الفرض والقمع والإرهاب. التكفيريون والديكتاتوريون، بعيدون كل البُعد عن المفهوم الغربي الذي اوصل الإسلاميين الى الحكم.

الديكتاتوريون اقلّويّين، لذلك فإنهم يبحثون عن مشروعية أكثرية شعبية لحكمهم المترّنح. الإسلاميون لا يشعرون بهكذا عقدة، عقدتهم تكمن في مكانٍ آخر، مشروعيتهم المنشودة في ظلّ العولمة وانتشار ثقافة حقوق الإنسان، ليست مشروعية شعبية، وإنما دولية، إنسانية، وحقوقية. يريدون بشتّى الطرق تلميع صورة إسلامويتهم تسهيلاً لإستمرارية حكمهم.

الإسلاميون الأكثريون هم حلفاء موضوعيين للأقلياّت في زمانٍ ومكانٍ مُحددّين، خدمةً لأجندتهم الخارجية. الديكتاتوريون الأقلّويين أعداءٌ موصوفين للأقلّيات في ازمنة استقواءهم، تحقيقاً لسلطويتهم الداخلية.

التكفيريون هم على غرار الديكتاتوريين، اقليّة داخل مجتمعاتهم، لذلك فإن سلوكهم الإجرامي تجاه الأقلّيات متشابه. التكفيريون والديكتاتوريون، وجهان لعملة واحدة، من هنا ينشط التنسيق بينهما.

اذا كانت الديمقراطية، بوصفها احد اوجه الثقافة الغربية-المسيحية، هي السلّم الذي تسلّقه الإسلاميون لولوج القمّة، فإنها بالنسبة للديكتاتوريين، هي الحبل الذي يلتّف حول عنق حكمهم التسلّطي التقوقعي، في زمن العولمة والتواصل الإنساني.

مصلحة الإسلاميين تقتضي التمسّك بـ "سلاحهم" الديمقراطي المسيحي الغربي للحكم بالتصويت، امّا مصلحة الديكتاتوريين فهي التمسّك بسلاحهم الـ "تكفيري" الغابر لتوريث الحكم.

الديكتاتوريون "تكفيريون" بالمعنى السلوكي للكلمة، امّا الإسلاميون فـ"مسيحيون" بالمعنى التأويلي للكلمة.

لباس الجينز لا يجعل المرء ليبيرالياً بالضرورة، والديمقراطية كالجينز، ليس كل من يتبّناها هو غربي او مسيحي بالضرورة، لكنه غير محكومٍ بعقائد دينية شمولية مُعلّبة، على الأقّل. كيف للون ان يكون ابيض واسود في الوقت عينه؟ الخطوة التي تقرّب المرء من العقيدة الديمقراطية الليبرالية، تُبعده حكماً عن العقائد الشمولية المُعلّبة.

الإسلاميون في مصر، شأنهم شأن إسلاميي تركيا، دخلوا، إرادياً او غير إرادي، في "منظومة" الجينز والديمقراطية. الإسلاميون الأكثريون في مصر يريدون تعيين مواطنٍ قبطي في منصب نائب الرئيس، امّا الديكتاتوريون الأقلّويون في سوريا فاعتنقوا مذهب الأكثرية، و"دسّوا" مادةً دستورية عنصرية، تُحرّم على اي مواطنٍ مسيحي سوري الترشّح للرئاسة!!

عندما تسلّم الفاطميون الشيعة مقاليد الخلافة في مصر اواخر القرن العاشر الميلادي، كان عدد مسيحيي مصر و"بلاد الشام" موازياً لأعداد المسلمين، وبعد اقل من مئة عام على بروز هذا الحكم، كان المسيحيون قد تحولّوا اقليّةً عددية في طريقها الى الإندثار! "من ساواك بنفسه ما ظلمك!" ولأن الفاطميين كانوا اقلّيةً وسط الإسلام، لذلك فقد حولوّا المسيحيين اقلّيةً وسط الإسلام ايضاً! مشايخ الأقلّويين يريدون "تهجير المسيحيين من كسروان وجبيل"، مشايخ الأكثريين يتصرّفون بطريقة معاكسة، لذلك تراهم ينشدون ودّ المسيحيين، ويناشدونهم بـ"الحماية"!.

عندما تصل اقليّةٌ ما الى الحكم، تعمل على إضطهاد الأقلّيات الأخرى لتلميع صورتها امام الأكثرية، من دون ان يكون ذلك هو مطلب الأكثرية بالضرورة، ولكن عندما تُخفِق في حكمها، تعود لتلتجىء الى حضن اقليةٍ ثانية حمايةً لموقعها.

مشكلة ميشال عون انه يسير في الإتجاه المعاكس للمنطق؛ يوم كانت الأقلية السورية الحاكمة في اوج قوتها رمت بميشال عون وبالمسيحيين في قعر المنفى، ولكن عندما اصبحت هي في قعر حكمها، ارتمى ميشال عون وبعض "المسيحيين"، في أحضانها خطأً!

قوّة الإسلاميين هي في تعزيز أحد اوجه الثقافة المسيحية الغربية التي تُدعى ديمقراطية، وقوّة الديكتاتوريين هي في تحطيم هذا الوجه، مع ما، ومن، يرمز اليه ايضاً. وهكذا فإن مسيحيي مصر سوف يُعزز وجودهم السياسي مع الإسلاميين، بينما مسيحيي لبنان قُضي على وجودهم السياسي مع الديكتاتوريين!

الربيع العربي لم يكن ليتفتّح بدوره، لولا التقنيات الغربية، ولولا الثقافة الحقوقية الإنسانية الغربية التي تستمّد جذورها من الحضارة المسيحية الرومانية.

لولا انتشار الثقافة الغربية بعد انتصار الحريات الفردية والعامة على الظلامية السوفياتية، لكان مصير ربيع تونس ومصر وليبيا واليمن وسوريا، شبيهاً بمصير شتاء حماه خلال الحرب الباردة.

"الديمقراطيات لا تتقاتل، وإنما تتعايش في جوٍّ من السلام والوئام والمحبّة"، هذا ما استنتجه الفيلسوف الألماني ايمانويل كانط قبل اكثر من مئتي عام، وهذا ما اثبتته التجارب التاريخية ايضاً. الديكتاتورية في سوريا لم تتقاتل مع "شعبها" اولاً، وإنما مع الديمقراطية في لبنان قبلاً.

شعراء بلاط الديكتاتوريين، يريدون إيهامنا ان ديمقراطيةً ناشئةً في سوريا ستتقاتل مع ديمقراطيةٍ متجذّرة في لبنان، وأنه بالديكتاتورية وحدها يحيا لبنان. امّا الحقيقة فتقول إن ديمقراطيةً ناشئة في سوريا لن تتقاتل مع ديمقراطيةٍ في لبنان، وإنما مع ترسبّات ديكتاتوريةٍ وشموليةٍ فيه، قبل ان تعود فتتصالح مع لبنان ديمقراطي مُنقّى بالكامل.

وإن اللبيب، من بيانات المجلس الوطني السوري، ومن شعارات ثوّار سوريا، يَفهمُ…

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل