إنعكس ما شهده المجلس النيابي من اصطفافات سياسية وطائفية، وبروز المنحى الانقسامي داخل الأكثرية، استنفارات سياسية وأمنية في الأيام القليلة الماضية. فقد ترك «حزب الله» وحركة «أمل» حليفهم الجنرال ميشال عون وحيداً، وذلك يتكرّر مرّة جديدة بعد إحباط مشاريع قوانين تخصّ «صهره» الوزير جبران باسيل وتكتّل «التغيير والإصلاح» عموماً.
أمّا الاستنفار الأمني فقد جاء بناءً على معلومات بالغة الدقّة، عن توتيرات أمنية في بعض المناطق، الأمر الذي دفع بعض الأحزاب إلى إعادة اتّخاذ إجراءات احترازية بعد تبلّغ زعيم أحدها عن تحرّكات مريبة لقوى سياسية ملتصقة بالنظام السوري تسعى إلى زعزعة الأمن في مناطق جبل لبنان. وعلى هذا الأساس، أوعز إلى كبار المسؤولين الأمنيين المتقاعدين اتّخاذ خطوات تهدف إلى المراقبة المتشدّدة، والاستعانة بما يرونه مناسباً في هذه المرحلة وبعيداً من أيّ مظاهر مسلّحة، احتراماً للقوى الأمنية الشرعيّة. وعلم أنّ التدابير المتّخذة تتمثل بحراسة ليلية ودوريّات في سيارات من دون أن يشكّل ذلك استفزازات أو تحرّكات مشبوهة لأيّ فريق سياسي، في حين تشير أجواء إلى تبلّغ بعض الأجهزة الأمنية بهذه التدابير وتقدير خصوصيتها في بعض المناطق من دون أن يعني ذلك عودة العمل الميليشياوي والحزبي العسكري.
وبالعودة إلى خلافات الأكثرية، علمت "الجمهورية" أنّ "حزب الله" تحرّك في الساعات الماضية بهدف التهدئة مع الرابية، مع استياء الحزب وعتبه الكبير على الكلام الذي قاله وزير الطاقة جبران باسيل في حقّ المقاومة. ويقال في هذا السياق إنّ كتاباً شديد اللهجة وصل إلى باسيل، ولهذه الغاية لا تستبعد أوساط مواكبة لما يحصل أن يُعقد في الساعات القليلة المقبلة، اجتماع يضمّ الثلاثي "حزب الله" وحركة "أمل" والتيّار العوني، ولا سيّما أنّ رئيس المجلس النيابي نبيه برّي، وعلى رغم الهجوم القاسي الذي تعرّض له من العماد عون، أراد تنفيس هذا الاحتقان عبر رسالة إيجابية أرسلها إلى الرابية، عندما قال كلاماً فيه كثير من اللطف والديبلوماسية تجاه العماد عون. وتشير الأوساط إلى تفاهم بين "حزب الله" وحركة "أمل" على عدم قطع الخطوط مع رئيس تكتل "التغيير والإصلاح" ولا سيّما في هذه المرحلة، وهذا التفاهم يأتي ربطاً بالتمنّيات السوريّة والإيرانية لإبقاء التحالف قائماً مع "جنرال" الرابية تقديراً لمواقفه حيال ما يحصل في سوريا ومواقفه الصلبة تجاه "حزب الله" وتغطيته له ولأدائه السياسي والأمني ولا سيّما موضوع السلاح، حتى إنّ السفير السوري علي عبد الكريم علي وفي زيارته الأخيرة للرابية، شكر لعون "مواقفه الداعمة للنظام وإدانته الإرهاب والعصابات المسلّحة" على حدّ قوله.
من هنا يبقى أنّ "حرَد" العماد عون على الأكثرية وحلفائه ومقاطعته جلسات مجلس الوزراء، يدخل في سياق تسجيل المواقف، إذ ثمّة تأكيد أنّ استقالة وزراء عون من الحكومة غير واردة إطلاقاً، وهذا ما يشير إليه أحد المسؤولين الحزبيّين في قوى 8 آذار الذي يعتبر أنّ التحالف مع عون خط أحمر، وهو يشكّل غطاءً مسيحيّاً كبيراً لا يمكن التفريط به في هذه المرحلة بالذات. أمّا التباينات السياسية فمشروعة وواضحة وسيتمّ إرضاء الجنرال في مراحل لاحقة إن على مستوى مشاريع القوانين أو التعيينات الإدارية وغيرها.
وفي هذا السياق، تُدرك مكوّنات الأكثرية ما ستؤول إليه الأوضاع في حال الاستقالة، خصوصاً أنّ تطيير الحكومة وكلّ ما يحيط بهذه المسائل، إنّما له مفاتيحه وظروفه الإقليمية التي هي وحدها تمسك بهذا الشأن البالغ الأهمّية، لأنّ سوريا تشهد تطوّرات دراماتيكية تسلك منطلقاً تغييريّاً، ما يدفع إلى التمسّك أكثر بالحكومة الحاليّة، على رغم كلّ ما يجري في البلد من خلافات سياسية وتصدّع اقتصادي واهتزازات أمنية.
لذلك، فإنّ الخلافات السياسية بين الأكثرية محكومة بالسقف الإقليمي، لإبقائها في إطارها الضيّق ومعالجتها، على غرار ما حصل في محطات سابقة ومشابهة.