#dfp #adsense

الدولة ميّـتة كيف ومتى قيامتها؟

حجم الخط

الاهتراء شبه الكامل الذي اصاب مفاصل الدولة اللبنانية في جميع مؤسساتها واداراتها ووزاراتها، وفي شكل خاص المؤسسات والسلطات، التي تعتبر العامود الفقري للدولة، مثل الجيش وقوى الأمن والقضاء، مسؤول عنه القرار السياسي، الخائف والمشلول، تحت ضغط عاملين لا ثالث لهما، هما السلاح والاعتبارات المذهبية والطائفية.

هذان العاملان، هما من يحكم البلاد، أمّا الباقي مثل تحرك الجيش وقوى الأمن، وعمل القضاء والحكومة ومجلس النواب، واللجان، فهي تفاصيل هامشية تدور حول محور واحد، وسؤال واحد، ماذا يريد السلاح وماذا تريد الطائفة والمذهب، وبالتالي يجب عدم تحميل أيّ من المسؤولين عن هذه المؤسسات والسلطات، مسؤولية الاهتراء الموصول مباشرة بالقرار السياسي الخائف والمشلول، لأن المهمة الموكلة اليهم هي مهمة مستحيلة لا مجال أمامها للنجاح، سوى اذا حصرت همّها بملاحقة المواطنين المسالمين المساكين، و«فشّت خلقها» بهم، قياساً على ما يحصل في هذه الأيام، ولكن عدم تحميلهم مسؤولية غير قادرين على حملها، لا يعفيهم من المساءلة والسؤال: لماذا تبقون في كراسيكم ومناصبكم طالما انكم مثل جحا «لا يقدر سوى على خالته» و«مصاقبة» ان خالة جحا في هذه الأيام البائسة، هي الأكثرية الساحقة من المسيحيين، و«المعتّرين» ممن «لا ظهر لهم» ولا سلاح من الطوائف الأخرى.

اذا كان احد ما زال يصدّق ان هناك دولة وحكومة ومؤسسات وسلطات، فهو اما طيّب القلب وبسيط، ووقف الزمان عنده على حدود امارة فخر الدين المعني، وامّا انه حالم وغير واقعي ويعيش في عالم آخر، كما أن الذين ما زالوا يراهنون على امكانية اعادة احياء الدولة، وضخّ الدم النقي في عروقها، فأنا اتوقع لهم، ان لم ييأسوا طوعاً، ان يسلموا رهانهم الى احفادهم، ان لم يكن الى احفاد احفادهم، لأن الممسكين بخناق الوطن والدولة والشعب، لهم حساباتهم واهدافهم القائمة على وطن ودولة وشعب تشبههم، وتحقق احلام وطموحات عمرها آلاف السنين.

* * *
هذا القول، ليس دعوة الى اليأس والاحباط، بل هو دعوة الى تغيير معايير النضال واساليب التحرّك التي من شأنها أن تنتج دينامية جديدة قادرة على مواجهة الواقع القاسي الذي يحول دون قيام الدولة، هذا اذا كانت هناك نيّة صادقة عند بعض الاطراف للعمل الجديّ من اجل هذه الدولة، ولفتني في هذا المجال تصريح لوزير الطاقة جبران باسيل، قال فيه ان استباحة مؤسسات الدولة لا تقلّ خطورة بل تفوق خطورة استباحة الدولة أمنياً، وباسيل في تصريحه هذا، لا يعني خصومه السياسيين المسيحيين، لأن استباحة مؤسسات الدولة مالياً وبشرياً وامنياً، تأتي من حلفائه واذا كان امر الدولة يهمه كثيراً، فمن باب اولى ان يحضّ حلفاءه على الانخراط في هذا الواجب المقدس، واذا كانوا غير معنيين بهذا الامر، ويصرّون على الامساك بالدولة المركزية، ويرفضون الدعوات المتتالية لتنفيذ اللامركزية الادارية الموسعة، ولا يقيمون وزناً للمناصفة الميثاقية التي نصّ عليها الدستور، فعلى التيار الوطني الحر، ألا يكتفي بالتهديد ليحصل على مكاسب شخصية بالمقابل بل عليه، ليثبت صدقيته أن يفتش عن الذين يريدون حقيقة أن تقوم الدولة، وتقوى المؤسسات، ويستقل القضاء، ولن يفتش كثيراً ولا بعيداً، لانهم معروفون ودفعوا غالياً ثمن تمسكهم بالدولة والسيادة والحرية واعطاء القوى الشرعية من جيش وقوى أمن، شرف حماية لبنان، أرضاً وشعباً ومؤسسات، بدلاً من «البهدلة» التي تمارس عليها من اطراف عدّة، محتمين اما بسلاحهم، وأمّا بطائفتهم، واما بالاثنين معاً.

الاخوين رحباني سألوا اللبنانيين في مسرحية فخر الدين، بدّكم الاستقلال.. اعتمدوا عَ الله وعلى زنودكم.
هذا السؤال يتجدد اليوم، اذا كنا حقاً نريد الدولة.
 

المصدر:
الديار

خبر عاجل