#dfp #adsense

الرابطة المارونية تسترجع أرض الحدث

حجم الخط

كتبت باسكال بطرس في "الجمهورية":
هو إنجاز كبير، لا بل ضخم، حصدته الرابطة المارونية، تمثّل في استرجاعها قطعة أرض ضخمة في تلة الوروار الاستراتيجية مساحتها حوالى ثمانين ألف متر، بعد أن كان قد تمّ بيعها لرجل أعمال غير مسيحي، وذلك نتيجة مفاوضات استمرّت لأشهر طويلة، تمكّن القيّمون عليها من إحاطتها بالسريّة التامّة، حرصاً على نجاحها.

وفي هذا الإطار، يكشف المفاوضون، وعلى رأسهم الرابطة المارونية، خلال مؤتمر صحافي ظهر اليوم، عن كلّ تفاصيل هذه القضية، لوضع النقاط على الحروف واستباق كلّ التأويلات والادّعاءات والتحليلات التي تكون بعيدة كلّ البعد عن حقيقة الأمور، وذلك إثر انتقال الملكيّة رسمياً من المالك القديم إلى المالكين الجدد.

27 مليون دولار ثمن أرض

وفي التفاصيل، فقد وردت إلى مجلس بلدية الحدث السابق برئاسة الدكتور أنطوان كرم، بتاريخ 10 تشرين الأول 2009، معلومات من نقابة المهندسين، مفادها أنّه يجري بناء 375 مبنىً سكنيّاً، بما يوازي 1700 شقة، على قطعة أرض تبلغ مساحتها 82305 م 2 في تلّة الوروار – الريجي، وتحديداً في المنطقة المحدّدة Zone C1، ما دفع المجلس إلى استطلاع الموضوع، ليتّضح له أنّ المنطقة قُسّمت إلى 5 عقارات تمّ بيعها إلى عشرة أشخاص من الطائفة الشيعيّة، وهم: ناصر عباس سويدان، حسين أحمد عيساوي، عدنان علي عواد، عادل علي دياب، محمد حيدر حطيط، ذو الفقار حيدر حطيط، طارق طلعت هادي، فيصل طلعت هادي، ياسمين عدنان عياد، محمد عادل دياب، فاوض باسمهم وعقد صفقات البيع والشّراء الوكيل المدعو أدهم طباجة، الذي اشترى الأرض بمبلغ قيمته 27 مليون دولار أميركي، وذلك خلال اجتماعات حصلت في البنك اللبناني- الكندي. وحسب المعلومات، فإنّ هؤلاء الشارين لا يتجاوزون الـ24 عاماً، وكان أهلهم وكلاءهم في كل عمليات التفاوض.

بين البلدية ونواب الحدث

ووفقاً لهذه المعطيات، دعا رئيس البلدية السّابق إلى اجتماع عقد في مركز بلدية الحدث بتاريخ 8 آذار 2010، حضره إضافة إلى أعضاء المجلس البلدي، نوّاب قضاء بعبدا: حكمت ديب، آلان عون، وناجي غاريّوس، عرضوا خلاله الظروف والخلفيّات التي أملت القرار، كما استعرضوا ما وصفوه بالعقبات التي حالت دون رفع وإحالة القرار على المديرية العامة للتنظيم المدني. تبعتها مفاوضات جرت في السّياق عينه، بعد ثلاثة أسابيع، بين البلدية والنواب: علي عمّار ممثلاً حزب الله، وحكمت ديب، آلان عون، عبّاس الهاشم، فادي الأعور.

وعلى الاثر، أصدر المجلس السّابق قراراً بتاريخ 15 شباط 2010، رقم 16/ م. ب.، قضى بوضع المنطقة التي تشمل العقارات المذكورة قيد الدرس بهدف "إعادة تصنيفها وتنظيمها حيث إنّها تشتمل على عقارات غير مبنية وهي تشكل مرتفعات خضراء على أطراف البلدة، ما يستوجب المحافظة على ثروتها الطبيعية، هذا فضلاً عن إخضاع العقارات الواقعة ضمنها لأحكام خاصة وشروط فنية، لجهة تحديد الارتفاقات لعاملي الاستثمار السطحي والعام بالإضافة إلى العلوّ وتحديد عدد الطوابق والتراجعات وفرض بعض المواصفات الفنيّة المتعلّقة بالمنظورات المعمارية الجماليّة من زخرفة وتجميل. وبالتالي توقّفت البلدية عن إعطاء كافة الإفادات المطلوبة عن العقارات الواقعة ضمن المنطقة المذكورة. كما كلّف المجلس المديرية العامة للتنظيم المدني إجراء اللازم وفقاً للتصميم والنظام المقترحين من قبل البلدية، ووضع مخطط توجيهي عام لمجمل الحدث، تجنّباً للعشوائية والارتجال في كل مرة يحصل فيها خرق هنا أو هناك".

وفي هذا الإطار، بتاريخ 22 آذار 2010، وبعد أن تأخّر رئيس البلدية السّابق عن إحالة القرار إلى المديرية العامة للتنظيم المدني "من دون عذر أو مرّر قانوني مقنع"، وجّه رئيس البلدية الحالي جورج إدوار عون، بصفته في ذلك الوقت عضواً في البلديّة السّابقة، بالتعاون مع الأعضاء: فخري الشويري، عبده شرفان، سليمان أبي رزق، كتاباً إلى كرم لمطالبته "بالمبادرة فوراً إلى إحالة القرار إلى التنظيم المدني ليأخذ مجراه القانوني والإداري، حفاظاً على حقوق الحدثيين والبلدية والمصلحة العامة"، كما شدّد الكتاب على ضرورة وضع مخطط توجيهي عام لمجمل الحدث.

التسجيل الصوتي

ويشير مصدر مقرّب من البلدية السابقة لـ"الجمهورية"، إلى أنّ "النائب عبّاس هاشم كان قد هدّد كرم بعدم إحالة القرار إلى التنظيم المدني، ما ردع هذا الأخير عن المبادرة إلى ذلك، خصوصاً وأنّه بعد أن كان قد حظي بموافقة سائر نوّاب بعبدا في "التيار الوطني الحر" على إحالته إلى التنظيم (والدليل على ذلك متوافر في تسجيل صوتي)، حاول النائب علي عمّار طرح الموضوع مع كرم، الذي كان حاسماً بقراره مستنداً إلى دعم نواب "التيار الحر" لموقفه، ما فاجأ عمّار الذي كان قد أبلغه هؤلاء أنّهم لا يؤيّدون قرار البلدية ويسعون إلى اتّباع سياسة المقايضة مع هذه الأخيرة لإفشال تحرّكاتها، الأمر الذي دفع كرم لإطلاعه على شريط التسجيل. وقد أدّى ذلك إلى نشوء خلاف بين عمّار ونواب التيّار".

وعلى الفور، سارع المجلس البلدي السابق إلى وضع القرار بتصرّف التنظيم المدني، الذي وضعه قيد الدرس، ليصار بعدها في 18 آب 2010 إلى موافقة المجلس الأعلى للتنظيم على تصنيف العقار و"تصحيح حدود المنطقة الملحوظة تحت الدرس بالمحضر رقم 24/2010 في الحدث وفقاً للخريطة المرفقة بالمحضر".

الغاء قرار البلدية

إلا أنّه ونتيجة الانتخابات البلدية التي جرَت في 2 أيار 2010، حاز عضو البلدية السابق جورج إدوار عون على منصب رئاسة البلدية الحالية، وسرعان ما عمد، في 29 تشرين الثاني 2010 ، إلى إلغاء قرار البلدية السابقة بقرار جديد يحمل الرقم 267 جاء فيه: "بعد إعادة درس الموضوع من الناحيتين الاقتصادية والتجارية إذ تبيّن عدم ملاءمة الشروط المقترحة من البلدية السابقة مع واقع المنطقة. وبناءً على قانون البلديات رقم 118/77 وتعديلاته، وقانون البناء، وبناء على ضرورة تشجيع الحركة العمرانية، تقرّر وقف العمل بقرار المجلس البلدي رقم 16/م.ب. تاريخ 15/3/2010 القاضي بوضع المنطقة المعروفة بـZone c1 أي منطقة الوروار قيد الدرس، والطلب إلى المديرية العامة بالتنظيم المدني إعادة اعتماد نظامها المصدّق سابقاً".

فما الذي دفع برئيس البلدية إلى إلغاء القرار بعد أن كان، قبل تولّيه رئاسة المجلس، مناضلا شرساً لتطبيقه, علماً أن زيادة عامل الإستثمار تعني زيادة سعر الأرض 20 مليون دولار؟ ومن المستفيد من هذه العملية؟ هل هي البلدية أم المستثمرين؟

مدونة تفاهم واتفاق

نظراً إلى أهمية تلّة الوروار التي تُشكّل نقطة استراتيجية تفصل بين كفرشيما والحدث ووادي شحرور وبعبدا، دخلت الرابطة المارونية وسيطاً لاستعادة الأرض، وذلك تلبية لدعوة البلدية الحالية، لتُفاجَأ بمدوّنة تفاهم واتفاق، حصلت "الجمهورية" على نسخة عنها، كانت قد أبرمت في تاريخ 6 تشرين الأول 2010 في ما بين الفريق الأول بلدية الحدث ممثلة بشخص رئيسها جورج عون وكلّ من النائبين حكمت ديب وعلي عمّار، والفريق الثاني وهم مالكو العقارات في منطقة الوروار السادة الوكلاء: أدهم طباجة وعدنان عياد وعادل دياب وطلعت هادي وعلي صالح وعلي حطيط، ونصّت الاتفاقية على أنّ "المفاوضات بين الفريقين أفضت إلى موافقة الفريق الثاني على بيع العقارات التي تملكها، وتفويض الفريق الأول إيجاد المشتري الذي يحظى بموافقته وقبوله، لقاء ثمن متّفق عليه"، وتابعت الاتفاقية: "ولما كان التفاهم المذكور أعلاه قد تجاوز المهل المتّفق عليها والتي جرى تمديدها لأكثر من مرة. ولما كان فريقا هذا التفاهم قد توافقا على صيغة تقضي بتمديد أخير لمهلة البيع، يتخلّلها قيام الفريق الأول بالعودة عن قرار وضع المنطقة قيد الدرس بحيث تبقى على تصنيفها الحالي والموافقة على منح الفريق الثاني التراخيص المطلوبة بما يتلاءم مع القوانين والأنظمة المعمول بها، وفي حال تعذّر إيجاد المشتري في المهلة المحددة، تقضي صيغة التفاهم بأن يقوم الفريق الثاني بتنفيذ الأبنية المرخّصة على مراحل زمنية وبمواصفات هندسية وفنية يتفق عليها بين الطرفين على أن يفوّض الفريق الأول حصرياً ببيع الشقق السكنية التي أنشأها الأفراد الذين يحظون بموافقته ضمن مهلة زمنية يصار إلى الاتفاق عليها". إلى ذلك، أشارت الاتفاقية إلى أنّ "فريقي التفاهم توافقا على تحديد 31 كانون الثاني 2011 مهلةً يكون فيها الفريق الأول مفوّضاً إيجاد المشتري الذي يحظى بموافقته، كما توافقا على أن يكون سعر المبيع 650 دولاراً أميركيّاً للمتر المربع الواحد في العقارات التي تفوق مساحتها عشرين ألف متر مربع و700 دولار أميركي للعقارات التي هي ما دون عشرين ألف متر مربع. ومن عناوين الاتفاق أيضاً أنّ مساحة الشقق هي ما بين 115 متراً مربّعاً و145 متراً مربّعاً – سعر المتر المربّع ما بين الألف دولار أميركي والألف ومئة دولار أميركي- من المتّفق عليه أن يصار إلى مراجعة سعر المتر المربّع سنويّاً بما يتلاءم مع ارتفاع الأسعار. وفي هذه الحال، يكون الفريق الأول مفوّضاً وبشكل حصري بيع الشقق، وبالتالي يكون الفريق الأوّل ملزماً بتأمين بيع 4 في المئة من مجموع الشقق الجاري إنشاؤها شهريّاً، وفي حال عدم بلوغ هذه النسبة الشهرية يعود للفريق الثاني أن يجري البيوعات التي تؤمن النقص الحاصل. كما أنّه من المتّفق عليه أن يعهد إلى جهة واحدة لإدارة المجمع السكني وتشغيله وصيانته بعد إنجازه".

الرابطة محرجة

هذه الوثيقة وضعت الرابطة المارونية في موقف حرج، أثناء عمليات المفاوضات، خصوصاً أنّها تشير إلى زيادة عامل الاستثمار من 30 إلى 50 في المئة. وأكّد عضو المجلس التنفيذي في الرابطة المارونية المحامي طلال الدويهي لـ"الجمهورية"، أنّنا "في الرابطة بذلنا جهوداً ضخمة لكي نجمع من جماعات مسيحية متعدّدة ثمن الأرض التي اشتراها المالكون بـ28 مليون دولار، وعرضنا عليهم مبلغاً قدره 40 مليون ثمناً للأرض، فارتفع السعر إلى 53 مليون دولار"، محمّلاً المسؤولية "للبلدية التي سعت إلى رفع القيد عن التصنيف في الوروار من دون علمنا"، وسأل: "هل يجوز أن نفاوض في عملية بيع وشراء عندما يكون عامل الاستثمار مرتفعاً؟"

ما تبيع أرضك

من جهته، شرح رئيس البلدية الحالي جورج عون لـ"الجمهورية" تفاصيل الموضوع وقال: "ما يعتبرونه مشكلة ويتهموننا به هو بالنسبة إليّ مدعاة لرفع الرأس عالياً وأنا فخور ومرتاح جدّاً لما أنجزت". وتابع: "فمنذ لحظة انتخابي رئيساً للمجلس البلدي، قامت البلدية بحملة إعلانية كبيرة شعارها: "ما تبيع بيتك، ما تبيع أرضك، البلدية ما رح تبيعك"، وكانت البلدية في المرصاد لكلّ محاولات بيع الأراضي"، مشدّداً على أنّ "عملية بيع تلة الوروار حصلت قبل أربع سنوات من تولّي رئاسة البلدية، وفي الأسبوع الأول، اجتمعنا مع نوّاب بعبدا وطلبنا منهم الضغط على أصحاب العقارات في الوروار للبيع، وكان نوّاب حزب الله متجاوبين معنا وأعطونا فرصة لتأمين مستثمرين مسيحيين لاسترداد الأرض". وأضاف: "وعلى الاثر اتّفقنا مع أصحاب العقارات بإعطائنا مهلة شهرين لتأمين مستثمرين، وكنا قد ثبّتنا السعر بـ52 مليون دولار، إذ إنّ آخر عقار كان قد اشتراه صاحبه بـ670 دولاراً /المتر، وخصوصًا بعدما شهده سوق الأراضي من ارتفاع هائل في الأسعار خلال السنوات القليلة الماضية. وعلى الفور، تحدّثت بالموضوع مع المغترب الياس سعد، وقد أبدى استعداداً لشراء الأرض ولكن كان لديه تحفّظ على عبارة "قيد الدرس" المسجّلة على العقد، وعلى رغم أنّني وعدته بإزالتها تلقائياً بعد إتمام عملية الشراء، إلّا أنّه تردّد

وانسحب". وتابع: "وبعدها تابعت عملية البحث عن مستثمرين واستغرق الأمر شهرين من دون أي نتيجة. وعلى رغم أنّنا كنّا قد تعدّينا المدة المحددة في مدونة الاتفاق لتأمين الشّارين، إلّا أنّ الطرف الآخر كان متساهلاً جداً معنا وسمح لنا بالتمديد. وكنت لجأت إلى المطران بولس مطر الذي شجّعنا وساعدنا وكان أوّل المستثمرين ودفع مبلغ 5 مليون للمساهمة. وبعدها زرت رئيس المعهد الأنطوني الأب بطرس عازار وشرحت له الوضع، فاتّصلنا بالرابطة المارونية واجتمعنا بها ووضعنا المسألة بين يديها".

وأوضح عون أنّ "مدوّنة الاتفاق أُبرمت بعد أن تأخّرنا في تأمين زبون لشراء الأرض، فاضطررنا لتوقيع عقد مع الجماعة لكسب المزيد من الوقت، واليوم مضى على الاتفاقية 10 أشهر ولا زلنا نمدّد، ولن نقبل بتنفيذ الاتفاقية".

انجاز الرابطة

وفي المحصّلة، يبدو أنّ المفاوضات المتواصلة التي شاركت فيها الرابطة لدفع المفاوضات إلى الأمام بهدف التوصل إلى تسوية على صعيد السعر، قد نجحت، وأفاد مصدر مقرّب من الرابطة المارونية أنّ "الاتفاق على عملية استرداد الأرض تمّ بعد إقناع مالكها بالسّعر النهائيّ".

يأتي هذا الإنجاز، الفريد من نوعه، ليخرق جدار الهجمة العقارية التي تجتاح المناطق المسيحية، علّه يشكّل فاتحةً لإنجازات مماثلة تضعُ حدّاً للتغيّر الديموغرافي الذي بات يهدّد هذه المناطق ويتسبّب بتهجير أهلها عنها..

فهل تكون منطقة الوروار سابقةً تشكّل نموذجاً يغيّر المعادلة ويشكّل حافزاً يردع التغيّر الديموغرافي المرتقب؟

المصدر:
صحيفة الجمهورية

خبر عاجل