"شرم برم والناس غافلة والغفلة على أفهام قافلة
والكدب لعلع في الحفلة وأغلب السامر مساطيل"
(أحمد فؤاد نجم)
الاستدراج
بصراحة أنا أتفهم ما يفعله الغيارى الشعبويون على مدى الأشهر العجاف الماضية، وهي ظاهرة مألوفة في ظل ضعف منطق التعقل والحسابات الوطنية والاعتدال ورفض الفتنة، وغيرها من المسكّنات التي يأخذها معظم الناس يومياً وعلى مدى سنوات مضت ليناموا دون كوابيس، ويصحوا على أحلام البلد الآمن المستقر حيث العدل والقانون والسلام والتكافل والحرية. الحقيقة المرّة هي أنه ليس من السهل أن يعظ المرء عن العفة في بيت للدعارة، أو أن يتحدث عن العقل في ثورة الجنون، أو يرفع الصوت للحديث عن السلام ليعلو فوق طبول الحرب.
لذلك، فتعاطفي معهم لأنهم ضحايا رد الفعل الغريزي على "النجاحات" لمنطق البلطجة وقطع الطرق الذي مارسته ثقافة ولاية الفقيه في لبنان.
أنا هنا لا أريد أن أسرح في منطق المؤامرة والتخوين المرضي الذي طالما سيطر على عقول شعبنا، ولا سيما على مثقفينا السياسيين الزائفين، فأنا أعتقد بصفاء نية الأخوة الغيارى، ومؤمن بأن ما يقولونه ما هو إلا قناعة منهم، وما يفعلونه ما هو إلا بدافع من حمية ونخوة في ظل "ميوعة الموقف أو غيابه عند القيادات الأساسية"، فالعالم لا يحمل الفراغ. ولكن، من قال إن "حزب الله" بمساره البلطجي لم يتوقع يوماً هذا النوع من ردود الفعل الطبيعية، لا بل إنه كان دائماً يستدرج الجميع إليها.
مشروع الولي الفقيه
لقد يئس حزب ولاية الفقيه منذ زمن من إمكان الابتلاع السلمي للبنان من خلال الابتلاع الاجتماعي والعقائدي والمالي والهيمنة العسكرية والديماغوجية الجهادية ووهج المقاومة، كما أن المحاولات اليائسة للسيد نصرالله للحديث عن جمهورية السيد الخميني الإسلامية ومثالياتها ومدنيتها فشلت كلها في ابتلاع عقول الناس، ليس لأنهم واعون لتفاصيل مشروع ولاية الفقيه، بل لأن الغرائز والعصيان والمذهبية والطائفية، وواقع لبنان التعددي هي ما وقفت حاجزاً منيعاً في وجه الحلم الخميني الأسطوري على المستوى اللبناني على الأقل.
لذلك، فإن وهم ضمّ الأمة الاسلامية تحت عباءة الولي الفقيه المعصوم أصبح من الماضي، وعاد مشروع ولاية الفقيه الى بداياته الصفوية، يعني كونه عقيدة قومية ذات امتداد مذهبي ضمن بعض القوميات، يستغل الغرائز الأقلوية المبررة في كثير من الأحيان.
لم يكن مستغرباً أن حزب ولاية الفقيه اعتبر اتفاق الطائف سنة 1989 نوعاً من المؤامرة، بحسب تصريحات قياداته يومها، فقد أتى هذا الاتفاق كنكسة لمشروع ضمّ لبنان إلى ولاية الفقيه بعد أن شكّلت الحرب الأهلية فرصة ذهبية لتحقيق هذا المشروع، بحسب رؤيا الإمام الخميني بجعل لبنان "مثالاً للحالة الثورية الإسلامية" وبحسب أقوال سفير إيران في دمشق في فترة الثمانينيات عندما صرّح بأن لبنان يومها يشبه وضع إيران عشية عودة الخميني "فإذا صبرنا وعملنا بروية فسيقع قريباً في أيدينا".
على الرغم من الحلف الاستراتيجي بين حافظ الأسد والإمام الخميني، فإن التنافس الدموي (وإن بالواسطة) على لبنان بقي واضحاً من خلال حرب "أمل" و"حزب الله" المعروفة، ولكن اتفاق الطائف أجبر "حزب الله"، وبالتالي المرشد الأعلى، على تأجيل مشروع ضم لبنان والاستمرار بتقاسم النفوذ مع النظام السوري الى حين تأتي اللحظة المناسبة.
لم يكن "حزب الله" مُحرجاً من الإتهام العفوي للنظام السوري بقضية اغتيال الحريري، لا بل أنني أصبحت على يقين بأن هذا الحزب توقّع هذا الاتهام وربما سعى إليه، وبالنتيجة فإن الخروج السوري من لبنان كان بمثابة إعادة إحياء الحلم المقدس من جديد، وقد أثبتت تصرفات هذا الحزب بعد ذلك، من أمنية وسياسية وعسكرية، سعيه إلى المزيد من التوتر وغياب الأمن السياسي والاجتماعي، وهذا عادة دأب كل الأحزاب الثورية التي تسعى إلى "هدم النظام القائم السيئ لبناء النظام المثالي مكانه".
لا أريد مما سبق تبرئة النظام السوري من جريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري، ولكنه، بحسب تتابع الأمور، وقع في فخ المؤامرة التي شاركه بها "حزب الله" ومن خلفه مشروع ولاية الفقيه.
تعميم الفوضى
أما اليوم، فبعد انكشاف مشروع "حزب الله" عربياً وإسلامياً (بالأخص بعد تأييده بشار الأسد في الجريمة المستمرة في سوريا)، وبعد تخطّيه كل المحاذير المذهبية بعد اعتداء السابع من أيار، يبدو أن هذا الحزب عاد للتمترس خلف السور المذهبي، وما مظاهر التطرف السنّي والفوضى المسلحة والخطاب المذهبي، وأخيراً قطع الطرق، إلا نتاج الاستدراج المستمر لكل مكونات المجتمع اللبناني إلى المزيد من الفوضى، وأصبحت عندي شكوك أيضاً بأن الفشل الحكومي قد يكون من الفوائد الجانبية لهذا الحزب ليؤكد فشل النظام القائم، والإيحاء لجمهوره بأن خيار حكم الولي الفقيه لا يزال خشبة الخلاص من معضلة الكهرباء المقطوعة والاقتصاد المنهار والإجرام المتمادي والفوضى وفقدان الأمل.
من هنا فإن بعض الناس في تعبيرهم عن غيرتهم ونخوتهم وشجاعتهم يخدمون من حيث لا يدرون مشروع تعميم الفوضى الذي يخدم بالتالي مشروع "حزب الله".