#dfp #adsense

“جهاز” الاغتيال يسمّي نفسه

حجم الخط

اضطر النظام السوري، في حربه على الشعب السوري، أنّ يُخرج عصابات شرِّه من حالها الشبحية إلى العلن، فكان أن انتشر "الشبيحة" على طول الخارطة السورية، علناً تحت أعين الناس، وفي عدسات المصوّرين. هكذا ما عاد جلادو النظام غفلاً ولا مجهولين. ما عاد المجرمون يقومون بجريمتهم ضدّ معارض هنا وناشط هناك تحت جنح الظلام. إنهم طُلقاء في ضوء النهار، وبوجود شهود لا حصر لهم، يقترفون القتل والاغتيال، من دون أي عناء في التمويه أو الستر.

على منوال "اضطرار" النظام السوري هذا، تحوّل "جهاز" الاغتيال في لبنان إلى العمل العلني، بعدما أمضى سنوات في العمل السرّي المُجهد، والكثير التخطيط والحذر والتأنّي، والشديد الاحتياط والتمويه والانتباه. "أشباح" الاغتيال الذين لاحقوا القادة السياسيين والصحافيين، في لبنان، باتوا اليوم متخلين عن شبحيتهم وسريتهم. انهم يعلنون هويتهم بلا وجل ولا خجل، بل وربما باتوا يفكرون بإصدار بيان صريح يعلنون فيه مسؤوليتهم عن الاغتيالات ومحاولات الاغتيال. تقريباً، بات هذا الأمر وارداً، والذين يناصرون هذا "الجهاز" ويؤيّدونه في السياسة وفي الإرهاب (وهما صنوان لا ينفصمان في ثقافتهم) لديهم مسودة كاملة لخطاب تبرير الاغتيالات والتفجيرات، وهي مسودة متداولة أصلاً، ونسمع مقتطفات منها على الشاشات أحياناً كثيرة.

ما عاد القاتل مجهولاً، لا بسبب نجاح التحقيقات الجنائية، ولا بسبب نجاح القوى الأمنية في القبض على الفاعلين افتراضاً، بل لأنّ القاتل نفسه يكشف عن وجهه ويعلن هويّته.
محاولة اغتيال النائب بطرس حرب، تبرهن مرة أخرى أنّ "الاغتيال" ما زال جزءاً لا يتجزأ من "العمل السياسي" في لبنان، والذين يتبنّونه كأداة من أدوات السياسة، لم يتخلّوا عنها.. بل إنّهم يرفعون فعل القتل إلى سويّة الوسيلة الأولى في "الحوار" مع الخصوم والمنافسين، بل إنّهم عبر القتل المتسلسل لديهم خيار استراتيجي بنفي السياسة أصلاً، والخروج منها.

المعضلة، أنّ المستهدَفين ما زالوا في السياسة، داخلها، ولا يسعهم الخروج منها أو نفيها. هذا ما يجعلهم أوّلاً عرضة للاغتيال، وعاجزين عن ردع آلة القتل ووقفها.
هل ضعف 14 آذار، ووهن المواطنين اللبنانيين، وتهافت الرأي العام، هو الذي حفّز "جهاز" الاغتيالات على هذا الاستخفاف المفضوح بشرط السرّية في عملياته، أم انّه بات يتعمّد إشهار هويّته كحقيقة فاعلة إضافية، لها أثرها الترهيبي الذي يتعدّى أثر القتل نفسه. بحيث أنّ "معرفة" الناس لوجه القاتل تسبّب ذعراً مضاعفاً أكثر من عمل القتل ذاته؟

على الأرجح، اكتشف القتلة أنّ "مجهوليتهم" تزيل أي كابح في مطاردتهم وفي السعي للنيل منهم، بينما "علنيّتهم" (وهم مَن هم) تسبّب خوفاً منهم وتردّداً في ملاحقتهم. ولهذا، نجد اليوم هذه المفارقة: المستهدفون والمهددون اليوم بالقتل هم الوحيدون الذين يبذلون جهدهم للامتناع عن تسمية هؤلاء القتلة. ما زالوا "يشبحونهم"، في حرص أخير لكي يبقى في لبنان سياسة وحياة.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل