موقفان متناقضان متعارضان اعلنا في وقت واحد، يتعلقان حصراً بالحكومة وبعملها ودورها.
الموقف الاول جاء على لسان مصدر مسؤول في الدولة يقول بأن الأداء الحكومي يغلب عليه الطابع النفعي والانتخابي، في حين ان الموقف الثاني جاء على لسان رئيس الحكومة نجيب ميقاتي حيث تجاهل كل ما قيل ويقال بحكومته، الى درجة ان رئيس مجلس النواب نبيه بري احد حماة الحكومة والمدافعين عن استمرارها، وصفها ذات مرّة بأنها حكومة لا همّ لها سوى الانتخابات النيابية وهي حكومة «كل مين ايدو إلو»، واكد ميقاتي ان الحكومة ماضية في انتاجيتها ولا تتوقف امام الحملات العبثية.
بعد الفلتان الامني الذي يلفّ المناطق اللبنانية من الشمال الى الجنوب الى العاصمة، وما يتضمّنه هذا الفلتان من قطع طرقات واعتصامات واضرابات واعتداءات على المواطنين واملاكهم، وفي الامس محاولة اغتيال مجرمة لشخصية وطنية بارزة، وقيادي فاعل من قيادات قوى 14 اذار، ونائب عن الشعب منذ 40 سنة متواصلة، لم يعد امام هذه الحكومة، على أقلّه خجلاً من رئيس حزب القوات اللبنانية الدكتورسمير جعجع الذي نجا بأعجوبة من محاولة اغتياله منذ مدة، ومن الشيخ بطرس حرب الذي كان اول امس هدفاً للمجرمين الذين يسرحون ويمرحون في طول البلاد وعرضها، غير متهيّبين لا من قوى الامن، ولا من الدولة، ولا من القضاء، سوى ان تحمل القليل من الشجاعة والكرامة لتعتذر من اللبنانيين على فشلها في حمايتهم، وهي زعمت انها وجدت لتحمي اللبنانيين من الفتنة الزاحفة، ولكنها بسبب سوء سلوكها وعملها، وانحرافها من الانتاجية الى الطابع النفعي والانتخابي، وان ثوبها السياسي والانتاجي اصبح باليا ولا يحتمل تصليحاً وترقيعاً، وكلما اسرعت في المغادرة، هو افضل لها وافضل للدولة واللبنانيين، لأن أصوات الغضب ترتفع وتقوى، والغليان على قاب قوسين من الوصول الى حالة الانفجار، وخلافات الحلفاء في داخل الحكومة والمجلس النيابي، سيزيد من ضعف الحكومة واهترائها بحيث تصبح عبئاً على الناس بدلاً من ان تكون سنداً لهم.
* * * *
امّا في العودة الى محاولة اغتيال بطرس حرب، فان هذه الجريمة كشفت مجدداً ان ميزة مهمة من مميّزات الشعب اللبناني التي توارثها منذ عصور، وهي المجابرة في الاوقات الصعبة، اصبحت عند البعض في خبر كان، ولم تعد تعني لهم شيئاً، وكما تعامل هذا البعض، الذي اصبح معروفاً ومكشوفاً، مع محاولة اغتيال الدكتور جعجع منذ ثلاثة اشهر، تعامل امس بالمثل مع محاولة اغتيال حرب، الى درجة ان احد مقدمي البرامج الحوارية السياسية في محطة O.T.V وصف محاولة الاغتيال الموثقة بالشهود والادوات الجرمية وطريقة تهريب المجرم، بمحاولة الاغتيال «الافتراضية» في حين وصفها احد السياسيين في 8 آذار، بأنها «غير جدّية» ومع ذلك يخرج من يعلن على الهواء والملأ، نيّته بتغيير التحالفات، ويجد من يفلسف هذه النيّة، ويعتبر انها مقدّمة للانفتاح السياسي على خصومه المسيحيين المتحالفين استراتيجياً مع تيار المستقبل وكأن هؤلاء، بعد كل التضحيات التي قدموها، والشهداء الذين سقطوا، والاهداف الملتزمين بتحقيقها ينتظرون اشارة لينقلوا البارودة من كتف الى كتف، وهم لا يجدون عند الحليف «المفترض» سوى ادارة الظهر لابسط معايير العلاقة السويّة، في ظروف كتلك التي مرّ بها الدكتور سمير جعجع والنائب بطرس حرب، ونجيا منها بعناية من الله.