ثمة مجموعة عوامل تكتسب دلالات شديدة السلبية أعادت الاضاءة عليها بقوة محاولة اغتيال النائب بطرس حرب. اولها ان التعامل الرسمي وخارج اطار الادانات من المرجعيات الدستورية والاهتمام الامني المفترض والمنتظر في حده الادنى لا يزال يضمر انقساماً سياسياً على نحو مخجل في مسائل خطيرة من هذا النوع. فالقوى السياسية في موقع الخصومة شأنها شأن ادائها حيال الاغتيالات بعد العام 2004 التي طاولت قوى 14 آذار تتعامل بخفة مع محاولة الاغتيال الاخيرة علماً انها الآن جزء مهم ورئيسي من الحكومة المسؤولة عن امن المواطنين جميعهم وخصوصا الخصوم السياسيين في حين تعمد وسائل اعلامية تخص هؤلاء الى التشكيك في محاولة الاغتيال ولا يصدر موقف متضامن او علني مستنكر لما جرى كأن ما يجري انما يحصل في بلد آخر. وصمت الخصوم السياسيين خطير في مستوى ما ينم عن ارتياح لازاحة خصم سياسي او انتخابي. ففي محاولة اغتيال الدكتور سمير جعجع سعى البعض الى التركيز على الخصومة السياسية للرجل على نحو كما لو ان اغتياله، لو نجح، يشكل ازاحة لرمز من رموز الحرب له ما له وما عليه او انه يحل مسألة عالقة لا يمكن حلها في السياسة او كما لو ان ذلك يبرر الاغتيال على رغم ما واجهه من دون سواه من رموز الحرب! وبقدر مماثل ثمة استهجان سياسي وديبلوماسي ازاء عدم التضامن والاستنفار الحكومي والنيابي مع محاولة اغتيال بطرس حرب كونه رجل قانون يوازن مواقفه وكلماته ورجلاً سياسياً وبرلمانياً بامتياز ولم يكن يوماً من اهل السلاح. يثير الامر تساؤلات جدية لدى مراقبين اذا كان هذا الاداء غير التضامني الصارم والحازم، بل حتى القصور الرسمي والانقسام السياسي وتالياً الشعبي تجاه محاولات الاغتيال يشجع من يقوم بذلك على القيام به من دون اي خوف او وجل في استعراض استخباري عن خطة بديلة لانتشال المتورطين في حال واجهوا مأزق التوقيف.
ثانيا ان محاولات الاغتيال باتت في ضوء العجز الرسمي عن تقديم اي خيط في اي قضية والتعاطي السياسي معها في ضوء الانقسام والاصطفاف القائم في البلد بدت كأنها من اليوميات غير المستغربة بالنسبة الى اللبنانيين بحيث لا تؤدي الى أي رد فعل على المستوى المطلوب سلمياً، علماً ان انقطاع الكهرباء او توظيفات او حصص مطلبية صارت أهم وتتم التعبئة لها على نحو ابلغ بكثير من اي تعبئة اعتراضية ضد محاولات الاغتيال.
ثالثاً ان محاولة اغتيال حرب بعد محاولة مماثلة ضد جعجع تكشف عجزاً رسمياً قاتلاً وانكشافاً خطيراً على مستوى قرار الحماية السياسية التي يفترض ان تؤمنها السلطة بعدما طالت التهديدات حتى الان كلا من الرئيس سعد الحريري والرئيس فؤاد السنيورة والرئيس نبيه بري والنواب وليد جنبلاط واكرم شهيب وسامي الجميل معطوفاً عليها شلل السلطات القضائية بحيث بات القضاء بعدما شهده اخيراً على اكثر من مستوى يتصل بقضية فايز كرم وشادي المولوي ووسام علاء الدين وسواهم قضاء بالتراضي بعدما كان التراضي مقتصراً على الأمن. والادانة القاسية والاكثر تعبيراً في هذا الاطار وردت على لسان السفير السعودي في لبنان علي عواض عسيري الذي برر تحذير بلاده حول سفر السعوديين الى لبنان بقوله ان السعوديين يتعرضون لعمليات خطف في لبنان والمرتكبون معروفون ولا يتم توقيفهم.
الا ان الاسئلة الاساسية التي تحتاج الى اجابات واضحة هي لماذا يستمر استهداف شخصيات قوى 14 آذار باستثناء التهديدات التي تعرض لها ايضا الرئيس بري بعد سلسلة اغتيالات بعد العام 2004 اتصلت اسبابها باعتبارات اقليمية سببها المعارضة القوية للنظام السوري وباسباب محلية تتصل بازالة الاكثرية وإحداث خلل في التوازن السياسي ومنعها من الحكم بعد خروج القوات السورية من لبنان؟ وهل تجدد محاولات الاغتيالات يصب في الاطار نفسه واي اجندات اقليمية او محلية يخدم؟ وهل ان الهدف هو شل الخصوم ام ازاحتهم بما يمكن ان يتصل ايضا بالانتخابات النيابية المقبلة والمخاوف من اكثرية غير الاكثرية الحاكمة راهنا؟ وتالياً هل انفلات الوضع هو ما يشجع على الاغتيال ام ان هذه المحاولات هي ما يؤدي الى انفلات الوضع؟
بعض المراقبين السياسين والديبلوماسيين يرجحون في غياب الادلة الجازمة من التحقيقات غلبة تداعيات الازمة السورية مثلما كانت الاغتيالات السابقة من تداعيات الانسحاب السوري والرغبة في منع انتقال البلد الى الاطار الاستقلالي عن سوريا. فالرأي الغالب ان هناك مسعى لاثارة الفتنة وزعزعة الاستقرار في لبنان في ضوء ما يحدث في سوريا وتوقع الوسط السياسي والديبلوماسي السعي الى استدراج لبنان الى هذا الوضع لاعتبارات مختلفة لا مجال للدخول فيها، لكن غالبها معروف كون النظام السوري اعتبر لبنان دوماً ساحته الخلفية للمقايضة او لتقوية اوراقه او لتوجيه الرسائل. والخط البياني لما حصل في لبنان خلال الاشهر الاخيرة يظهر تنقلاً لمحاولات زعزعة الاستقرار من طرابلس مع حروب صغيرة بين باب التبانة وجبل محسن الى الاختراقات المتواصلة والاعتداءات على الحدود اللبنانية السورية وانتقالا من ثم الى شوارع بيروت. وهذه مرحلة اولى لا تزال مستمرة بين وقت واخر على رغم نجاح الدولة اللبنانية في احتوائها نسبيا. وتمثلت المرحلة الثانية التي فشلت ايضا مرحليا في محاولة تحريك المخيمات الفلسطينية وعودة احمد جبريل الى الواجهة في تصريحات نسبها حتى الى الامين العام ل" حزب الله" السيد حسن نصر الله توقف كثر عن عدم نفي الحزب لها.
ويعتبر هؤلاء ان الفشل في زعزعة الاستقرار اللبناني واستدارجه الى الاتون السوري والى حرب اهلية يعتقد كثر ان الحلفاء اللبنانيين الاساسيين للنظام لم ينجروا اليها عبر هذه المحاولات قد يفسر الانتقال الى رفع السقف عبر محاولات الاغتيال، خصوصاً ان الاستهدافات تطاول شخصيات معروفة في موقفها من الازمة السورية. فسلاح الاغتيال يستخدم مجددا لأسباب بعضها يخدم اهدافاً سابقة واخرى جديدة وربما تصيب اكثر من هدف بحجر واحد.