لم يكن ينقص الفوضى اللبنانية الكاملة الآن حكوميا، وبالتالي سياسيا وأمنيا واقتصاديا واجتماعيا، سوى انضمام مجلس النواب اليها تلقائيا وبالتبعية، أو عن سابق تصور وتصميم من قوى وأحزاب وتيارات معينة، لكي "يكتمل النقل بالزعرور" كما يقول المثل الشعبي.
هذا لا يعني أن المجلس النيابي كان عصيا من قبل على هذا الهدف المرسوم بدقة للبلد، ولا أنه كان خارج اللعبة الجهنمية، المحلية والاقليمية، التي أوصلته الى ما هو عليه في هذه المرحلة. لكن المجلس كان على الأقل يحاول "النأي بنفسه" عن تحمل الوزر كاملا (لدى اقفال المجلس في العام 2007، ادعى رئيسه أنه فعل ذلك لمنع الاشتباك في الخارج من أن يصبح في الداخل)، وهو ما لم يحدث في هذه الفترة.
ذلك أنه بغض النظر عن صحة تصويت المجلس على مشروع قانون تثبيت المياومين في شركة الكهرباء، وكيفية التصديق على محضر الجلسة حسب النظام الداخلي، وأحقية أو عدم أحقية اعادة التصويت عليه في جلسة تحدد في وقت لاحق، فلا وصف لحال المجلس الآن أكثر دقة من القول انها الفوضى النيابية هذه المرة… بعد الفوضى الحكومية والسياسية والأمنية والاقتصادية والاجتماعية الناشبة أظفارها في البلد.
وعمليا، فإن تعمد كتل نيابية محددة الى مقاطعة المجلس، وأن يقرر رئيسه رفع احدى الجلسات لمجرد أن عقدها كان يمكن اعتباره خروجا على الميثاقية وروحية الدستور، فالحدثان (وحتى كل منهما على حدة) لا يتحدثان فقط عن الفوضى المجلسية، وتاليا فوضى العمل النيابي والتشريعي، وانما عما هو أبعد من ذلك وأخطر بكثير: تهافت النظام الديموقراطي كله.
لكن السؤال القديم ـ الجديد يبقى هو هو من دون تغيير: من هي الجهات الاقليمية والمحلية التي تعمل بكل وسيلة ومن دون هوادة لإدخال لبنان في الفوضى، وحتى في حرب أهلية لا يعرف أحد كيف تبدأ ولا كيف ومتى تنتهي؟
لا يتعلق الأمر فقط بالأحداث الأمنية المفتعلة التي شهدتها عكار وطرابلس وبيروت وعرسال وراشيا في الأسابيع والشهور الماضية، ولا كذلك بتكرار عمليات الخطف على الهوية أو الخطف من أجل الحصول على فدية مالية، ولا حتى بانتهاك سيادة لبنان بالقصف المدفعي من وراء الحدود والتوغل داخل أراضيه واختطاف موظفيه الأمنيين من مراكزهم على الحدود، بل تجاوز ذلك كله في المدة الأخيرة الى ارتكاب الجرم ثم العمل بكل صفاقة، وفي وضح النهار، على تهريب المجرم، أو أقله ازالة الآثار التي يمكن أن تدل عليه.
تكفي للتدليل على ذلك محاولة اغتيال النائب الشيخ بطرس حرب، وما رافقها ثم تلاها من ملابسات أدت الى تهريب الفاعلين (بمن فيهم من أمكن للأهالي القبض عليه في المكان)، بعد نجاح الأهالي في مكان آخر في توقيف أحد الذين شاركوا في محاولة إحراق مبنى محطة "الجديد" التلفزيونية. كما يكفي ما أعلنه سفير المملكة العربية السعودية علي عواض عسيري من أن مواطنين سعوديين تعرضوا للخطف والابتزاز في الفترة الأخيرة من دون أن تتحرك أجهزة الدولة لاعتقال الفاعلين، أو حتى لاصدار مذكرات توقيف بحقهم.
ثم ماذا عن عودة مسلسل الاغتيالات الذي لم ينسه اللبنانيون بعد، واقتصاره كما كان الحال في الأعوام 2004 و2005 و2006 على شخصيات 14 آذار من دون غيرها، فضلا عن اتهام كل مواطن سوري نزح الى لبنان خوفا من الموت بأنه عنصر في "عصابة مسلحة" ويجب بالتالي البحث عنه داخل الأراضي اللبنانية والعثور عليه وقتله؟
هذا على المستوى الأمني، أما في السياسة فمن هي الجهة، أو الجهات، التي تعمل جهارا نهارا لتفريغ ما يسمى "طاولة الحوار الوطني" من مضمونها، وتسعى بموازاة ذلك الى إبقاء شبح الحرب الأهلية والفتنة المذهبية قائما على الأرض، كما في الاعلام وبين سطور الخطب والتصريحات، في الوقت الذي لا تدع فيه مناسبة من دون أن تتهم الآخرين بأنهم هم الذين يفعلون ذلك؟
والحكومة الحالية، التي تثبت يوميا أنها حكومة "حزب الله" ـ ايران ـ النظام السوري، هل فعلت شيئاً منذ تشكيلها قبل أكثر من عام، يمكن أن يوصف بأنه سعى إلى الحيلولة دون تدهورالحياة السياسية الى الدرك الذي بلغته في المدة الأخيرة، حتى لا نقول انها دفعت البلد بقرار متعمد ومسبق اليه؟ بل وهل اتفق أعضاؤها على موقف واحد من قضية واحدة تتعلق بادارة شؤون الدولة أو تلبية حاجات المواطنين؟
وعلى المستوى الاقتصادي ـ الاجتماعي، أي حال هي حال لبنان الآن في الخدمات العامة للناس (كهرباء وماء وتربية وتعليم وصحة وحقوق عمال وموظفين الخ…) بعد أن تحولت أيامه الى سلسلة متكاملة من الاضرابات والاعتصامات وقطع الطرق بالاطارات المحترقة، فضلا عما يعانيه من كساد يشمل قطاعات الزراعة والصناعة والتجارة والتصدير على اختلافها من دون بذل أي جهد حكومي لمعالجته أو أقله الحد منه؟
هل ما يعيشه لبنان، على هذه الصعد، غير الفوضى الكاملة في كل شيء، أو ما يطلق عليه في الأدبيات المتعارف عليها عالميا اسم الدولة الفاشلة؟
واقع الحال، أن ما شهدته السلطة التشريعية في الأيام القليلة الماضية جعل حلقة الفوضى اللبنانية مكتملة الحلقات، فضلا عن أنه وضع البلد أمام منعطف يذكر بما كان عليه في الفترة التي تلت انسحاب القوات السورية منه في العام 2005.
للتذكير فقط: في تلك المرحلة ارتفعت وتيرة الاغتيالات السياسية، وازداد التوتر في الجنوب وصولا الى حرب العام 2006، وحيل دون اتخاذ الكثير من القرارات الحكومية المصيرية، وأقفل مجلس النواب، ومنع انتخاب رئيس للجمهورية، وجرى التهديد باقتحام مقر رئاسة الحكومة واحتلال الأسواق التجارية في العاصمة.
هل تدفعنا القوى الاقليمية الآن الى أوضاع مشابهة؟.