#dfp #adsense

مسيحيّو سوريا… و”درب الجلجلة”

حجم الخط

كتبت مرلين وهبة في صحيفة "الجمهورية":

ثمّة انطباع عام بأنّ غالبية المسيحيين السوريين يوالون النظام ولم يتحرّكوا أو ينتفضوا ميدانيّاً منذ اندلاع الأحداث. بل أكثر من ذلك هناك مَن يقول عنهم إنّهم يقفون صفّاً واحداً مع هذا النظام نظراً إلى الامتيازات التي يقدّمها لهم انطلاقاً من نظرية حماية الأقليّات، والخشية على مستقبلهم في حال وصول الإخوان المسلمين إلى السلطة في سوريا.

وفي هذا السياق، يقول معارض سوري مسيحي من الذين هربوا إلى لبنان من بطش النظام تعليقاً على ما يُسمّى امتيازات المسيحيين في سوريا: "طوال 40 عاماً لم نحصد سوى التهميش فقط، والامتيازات لا تُمنح وفق أسس طائفية، بقدر ما تحصدها العصابات التي هي فوق القانون والمؤسّسات ولا تخضع للمساءلة بالمطلق".

ويميّز المعارض نفسه بين الرأي العام داخل سوريا، الذي يسعى مثل كل أفراد الشعب السوري إلى نيل الحرية والكرامة، وبين المرجعيات الكنسية التي تغطّي النظام انطلاقاً من خوفها على المسيحيين السوريين من مصير مشابه لما جرى في بلدان أخرى من العالم العربي مثل فلسطين والسودان ومصر والعراق، معتبراً أنّ النظام لا يتردّد في استخدام المسيحيين لنيل بعض الشرعية في الخارج، وهذا ما دفع قسماً كبيراً منهم إلى النزوح نحو البلدان المجاورة ومنها لبنان، فانتقلوا بداية إلى طرابلس ثم استقرّوا في جبل لبنان، وهم يعيشون مأساتهم بصمت وصبر كما يفرض عليهم إيمانهم، علّ الرجاء يأتي يوماً. ويوضح أنّ أبرز الجهات التي تتابع معيشة هؤلاء الذين نزحوا من الزبداني والسويداء واللاذقية وحمص، "هي الهيئة العليا لإغاثة اللاجئين السوريين التي ترعى شؤونهم من المسكن والمأكل، وتؤمن سُبل عيشهم من دون الاتّكال على المراجع الكنسية لأسباب أمنية متّصلة بخشيتهم من المضايقات والملاحقات والتوقيفات".

ويقول المعارض السوري المسيحي: "منذ بداية حكم البعث، اضطُهد المسيحيون في سوريا بشتّى الوسائل، وما برز في المرحلة الأخيرة ليس سوى محاولات بائسة من النظام لحماية وجوده وتقديم نفسه كأنّه راعٍ للأقليات المسيحية وغيرها في سوريا، في حين يتعامل مع هذه الأقليات وكأنّها أكياس رمل لها وظيفة محدّدة تتّصل بتلميع صورته والدفاع عن وجوده".

ويشير إلى أنّ "المضايقات اليومية والتعدّيات لا تُعدّ ولا تُحصى في ظلّ الخشية من تسريبها على أمن أصحابها، ومن الأمثلة على ذلك تهديد أحد أبناء الضبّاط لصاحب شركة إعلانية فاز بمناقصة تلزيم لوحات إعلانية في دمشق وإلزامه مشاركة الأرباح من دون وجه حق، فقط لأنّه مسيحي ولا يحقّ له الربح المشروع حتى لو كان القانون إلى جانبه. كذلك اضطُهد ثلاثة إخوة. فبعدما فرّ الأخ الأول الذي اعتقله فرع الأمن، اعتُقل أخواه. وبعد نجاح عملية الفرار إلى لبنان لم تجد السلطة السورية حرجاً من مضايقة والديه العجوزين والضغط عليهما في سبيل عودة ابنهما وتسليم نفسه ليلقى المصير الأسود.

وقمّة المضايقات المسيحية تمثّلت في القرار المتعلّق بعدم مغادرة أيّ سوري بين الـ17والـ45 عاماً من دون الحصول على تصريح شعبة التجنيد في الجيش السوري، الأمر الذي يعني احتجاز شعب بكامله بالقوّة على اعتبار أنّ الجهود المبذولة تقضي بإغلاق ممرّات التهريب الآمنة إلى لبنان لتتحوّل سوريا عمليّاً إلى سجن كبير.

وفي موازاة المضايقات، يؤكّد المعارض نفسه المشاركة المسيحية الكثيفة في الثورة السورية، "ولكن حجم المسيحيين لا يجعلهم في طليعة الأحداث، فضلاً عن أنّ المعارضة السورية تُدرك حساسيّة وضعهم ولا تريد تحميلهم ما لا طاقة لهم على تحمّله، مع علمها أنّهم إلى جانبها قلباً وقالباً. وثمّة حركة انشقاقات بارزة لضبّاط مسيحيين برتب عالية يغادرون إلى اسطنبول.

ويكشف المعارض أنّ نسبة المسيحيين تدنّت من 25 في المئة قبل حكم الرئيس الراحل حافظ الأسد إلى ما دون الـ4 في المئة حاليّاً، فيما غادر معظم الشباب المسيحي سوريا هرباً من القمع والمذلّة، ولجؤوا إلى أوروبا والولايات المتّحدة الأميركية، خصوصاً أولئك الذين تجرّؤوا وانتقدوا ممارسات النظام، إن داخل مجالسهم الخاصة، أو عبر مواقعهم الإلكترونية، الأمر الذي جعل النظام يستشرس في وجه فئة الشباب، كون هذه الفئة تحرّض، بعرفه، على التغيير، وبالتالي تشكّل خطراً على مستقبل النظام وتركيبته الديكتاتورية.

اضطهاد للفكر المسيحي وخوف من انفلاشه

ويلفت المعارض إلى أنّ النظام لم يتمكّن من التآلف مع المفكّرين والكتاب، وهذا أمر طبيعي لأنّه ضدّ أيّ فكر غير شمولي، فهاجروا قسريّاً، خصوصاً أنّ الحرية هي فعل إيمان بالنسبة إلى المسيحيين الذين وجدوا أنّ الهجرة، على صعوبتها، تبقى أفضل السبل للحفاظ على إيمانهم ومعتقداتهم وأفكارهم.

ويكشف كم كان يتألم لدى مشاركته في القداديس ورؤيته رجال المخابرات يراقبون عظات الكهنة ويفرضون عليهم آيات التبجيل بالرئيس السوري وكأنّه الله نفسه، فضلاً عن توبيخهم في حال خروجهم عن الخطوط الحمر المُحدّدة.

أمّا لجهة العائلات المسيحية العريقة، فيقول إنّها عانت ما عانته منذ السبعينيّات إبّان عهد الأسد الأب، إذ ذاقت الأمرّين ومُنعت من انشاء المؤسسات الفكريّة خصوصاً "تلك التي تواكب العصر"، نظراً إلى خشية الأسد من ترؤُّس المسيحيين في شتى المجالات. وقد أسرّ الرئيس السوري يوماً لأحد مستشاريه أنّه يخاف من ترؤّس المسيحيين في المجالات الاقتصادية والثقافية، لأنّ الانفتاح المسيحيّ أو بالأحرى توقهم إلى المدنية والحرية يُهدّد نظام حكم الأسد. فالمسيحيّون الذين لم يهابوا في القدم أفواه الأسود لن تردعهم أبداً أشباه الأسود.

على درب جلجلة الحرية والكرامة يسير المسيحيّون في سوريا إلى جانب أقرانهم من الشعب السوري ويدفعون الثمن في ذلك غالياً.

المصدر:
صحيفة الجمهورية

خبر عاجل