بعد وقت قصير من تسرّب خبر محاولة اغتيال النائب بطرس حرب، كان عدد من قيادات 14 آذار يتنسّمون الأخبار الأولية: هل هو شجار عادي قرب مصعد على طريقة زعران الشوارع أو ضرب السكاكين، أم أنه ترتيب لاعتداء على النائب الـ14 آذاري الذي لا يزال هدف تصفيته موضع قراءة وتحليل داخل المعارضة؟
بعد التأكد أن ما حصل في مبنى بدارو كان ترتيباً لعملية اغتيال، ذهب فريق من 14 آذار إلى التحليل الآتي: ما حصل قد يكون رسالة إلى ميشال عون عبر بريد بطرس حرب. والرسالة لا تعني الترهيب من مغبّة الانتقال في توقيت قاتل، من ضفة إلى أخرى، بل هي تعني ترغيباً على طريقة أن البقاء حيث هو يمكن أن يجني منه فوائد انتخابية جمّة، حيث سيستطيع الأقربون أن يتغلبوا على عقدة الفشل الانتخابي، بعد التمكن من إزاحة خصم عنيد. هي إذاً جزرة وعصا في رسالة واحدة.
لم يكن التلكؤ داخل 14 آذار في عقد اجتماع سريع في منزل النائب حرب، ناتجاً عن هذا التحليل الذي لا يعطي أهمية كبيرة، لأنّ حرب استهدف بسبب موقعه المؤثر داخل ثورة الأرز، بل بسبب البلبة التي سادت، والتي كانت شبيهة بالارتباك الذي أعقب محاولة اغتيال سمير جعجع، والذي سيعقب أي محاولة مقبلة قد تستهدف قوى 14 آذار.
وبعد تردد، حسمت الاتصالات بين تيار "المستقبل" و"القوات اللبنانية" والأمانة العامة، حتمية عقد اجتماع في منزل حرب لإصدار بيان، وكان لـ"القوات" و"المستقبل" دور اساسي في هذا الحسم، حتى قبل الاتفاق على الخطوط العريضة لهذا البيان، سواء في الاتجاه إلى التصعيد ضد الحكومة أو القوى الأمنية التي لا تقوم بعملها، أو الذهاب إلى خطوات تتخطى مجرد إصدار بيان تقليدي.
إحدى هذه الخطوات كما طرحها النائب نهاد المشنوق في منزل حرب، تمثلت في الدعوة إلى مقاطعة شاملة لنواب 14 آذار البرلمان، ولكن هذا الطرح لم يلق تجاوباً في الاجتماع، خوفاً من أن يتحول إلى نموذج مكرر عن مطالبة 14 آذار باستقالة الحكومة، لتعود وتتراجع عن مطلبها تحت ضغط التمنيات الدولية بتأجيل هذا المسعى الذي لا يؤدي، برأي الكثير من الدول العربية والغربية في هذه اللحظة، إلّا إلى الفراغ والفوضى.
بعد هذا التراجع، بدا أن قوى 14 آذار لا تزال تعمل تحت مظلة شعار "ما العمل"، التي حكمت أداءها منذ ما بعد السابع من أيار وإلى اليوم. فما العمل إزاء استمرار عمليات استمرار الخروق السورية للحدود؟ وما العمل ردّاً على إحراق قناة "الجديد"؟ وما العمل في قضية الحوار التي أجبرت فيها قوى 14 آذار على الجلوس على الطاولة بحيث بَدت كأنها لا تملك القرار بالمشاركة أو الانسحاب؟ وما العمل أيضاً لوَقف مسلسل محاولات اصطياد قادة 14 آذار واحداً تلو الآخر، ما سيؤدي إلى سجنهم في منازلهم، وخفض حركتهم السياسية إلى مستوى الحد الأدنى؟
ما العمل بعد الوصول إلى سمير جعجع، وما العمل بعد تهديد فؤاد السنيورة، وبعد رصد تهديدات لوزير سابق، لم يشطب من سجله أنه أدّى أدواراً أساسية في كشف الكثير من المخططات الأمنية المخيفة، منذ العام 2004 وإلى اليوم؟
وما العمل بعدما وصلت لائحة الاغتيال إلى بطرس حرب رأس حربة 14 آذار في البترون، وأحد المرشحين الموارنة الذين لا يحتاجون للتأهيل والإعداد لبنانياً وعربياً، في مرحلة ما بعد سقوط النظام السوري؟
"ما العمل"؟ عبارة لا تستدعي في نظر الكثير في داخل 14 آذار وخارجها إلّا عملاً غير عادي، يبدأ من الإجهاز على حكومة تغطي الاغتيالات، وإفهام المترددين فيها أنه لا يكفي أن ترتجف أيديهم خوفاً من مسؤولية سيتحملونها، إذا ما نجحت محاولة الاغتيال المقبلة في تحقيق هدفها.
العمل يكون بالتوجه إلى المجتمع الدولي والعربي للتنبيه بأنّ الفراغ الذي يخشى منه إذا سقطت هذه الحكومة، سيتحوّل في حال بقائها غطاء للاغتيالات، إلى إفراغ المسرح من اللاعبين القادرين على قيادة مرحلة ما بعد سقوط النظام السوري، عند ذاك فقط سيكون لكلمة فراغ معناها الحقيقي.