كتب جورج بكاسيني في صحيفة "المستقبل":
ما هي خارطة الطريق التي يمكن استنتاجها من الاجتماع الأخير لمؤتمر أصدقاء الشعب السوري في باريس، بعيداً من الموقف المستجد الداعي إلى الضغط في مجلس الأمن من أجل إقرار خطة أنان تحت الفصل السابع، والموقف المتكرّر والثابت الذي أجمع عليه المؤتمِرون وهو رحيل بشار الأسد؟
مصادر متعدّدة من المشاركين في المؤتمر تُجمع على ثابتتين: الأولى ثقة كل الدول المشاركة في هذا المؤتمر بأنّ نظام الأسد صار من الماضي. والثانية إجماع هذه الدول نفسها على السعي إلى إسقاط هذا النظام بشتى الوسائل إلاّ العسكرية منها طالما أنّ الولايات المتحدة الأميركية رافضة لهذا الخيار الآن.
ويقول ديبلوماسي عربي شارك في الاجتماع لـ"المستقبل" إنّ كل الدول التي يتشكّل منها هذا المؤتمر تُجمع على أرجحيّة الموقف الأميركي في سلوك أي خيار عسكري، بحيث إذا وجّهت سؤالاً لأيّ وزير خارجية أوروبي مثلاً عن احتمال اللجوء إلى الخيار العسكري أتاك الجواب: هذا الأمر ينتظر موافقة واشنطن التي لا تزال تقف حجر عثرة في وجه هذا الاحتمال.
أمّا السبب فيعود بحسب هذا الديبلوماسي ومعه مصادر في المجلس الوطني السوري التقوا وزيرة الخارجية الأميركية هيلاري كلينتون على هامش المؤتمر، إلى ثلاثة اعتبارات:
1 ـ انّ الرئيس الأميركي باراك أوباما بنى استراتيجيته الخارجية منذ انتخابه رئيساً على قاعدة الخروج من النزاعات العسكرية التي انخرطت فيها بلاده في العالم (العراق وافغانستان..) فكيف يدخل في نزاع جديد؟
2 ـ انّ الإدارة الأميركية تتجنّب الدخول في أي مغامرة عسكرية قد تنعكس عليها سلباً في الانتخابات الرئاسية العتيدة.
3 ـ انّ واشنطن تخوض مفاوضات صعبة ومعقّدة مع إيران حول ملفها النووي، وهي تحاذر في هذه المفاوضات الوقوع في خطأ من اثنين: استفزاز إيران بأي ضربة للنظام السوري قبل انتهاء المفاوضات معها، أو استفزاز روسيا التي تقف في ضفّة واحدة مع واشنطن في الملف النووي.
لهذه الأسباب، تضيف المصادر، تجنّبت تركيا الردّ على النظام السوري إثر إسقاطه الطائرة التركية، رغم أنّ هذه الخطوة خدشت الكبرياء التركية.
وقد جاء ذلك بناء لتمنٍّ أميركي باعتبار أنّ أنقرة جزء من حلف الناتو، وأنّ أي تطوّر عسكري يمكن أن تلجأ إليه سوف يضطر الناتو إلى أن يكون معنياً به.
ولذلك أيضاً، تضيف المصادر، أنّ المنسق الأميركي للشرق الأوسط فريدريك هوف أبلغ أعضاء المجلس الوطني السوري مراراً وتكراراً أنّ تسليح الجيش السوري الحرّ من قِبَل الولايات المتحدة "مرفوض الآن"، مشدّداً على كلمة "الآن" في إيحاء منه بأنّ الأمر قد يصبح ممكناً في وقت لاحق.
ولهذا السبب، تتابع المصادر، لم تحصل المعارضة السورية حتى اليوم على أي مساعدة أميركية لوجستية حتى باستثناء ثلاثة أجهزة اتصال فقط. حتى إنّ الدول الأوروبية المشاركة في مؤتمر أصدقاء الشعب السوري لم تقدّم حتى الآن تسهيلات بسيطة للمعارضة، مثل رفض السويد حتى تعطيل نظام "إيريكسون" للاتصالات الذي كانت حصلت عليه مخابرات النظام السوري منذ سنوات، الأمر الذي دفع أعضاء في المجلس الوطني إلى مفاتحة وزير الخارجية السويدي بهذا الأمر خلال لقائهم به على هامش مؤتمر باريس.
لذلك تعتقد المصادر أنّ التقدّم الميداني للمعارضة على الأرض داخل سوريا ليس متكافئاً مع التردّد الدولي الداعم للمعارضة سياسياً وإعلامياً فقط من دون خطوات ملموسة تساعد الثوار ميدانياً، لولا بعض التمويل العربي. لكنها تكشف في المقابل أنّ إشارات تلقتها من الوفد الأميركي إلى مؤتمر باريس مفادها أنّ واشنطن ما زالت تراهن على نجاح الضغط السياسي وخصوصاً على روسيا في هذه الفترة، وأنّ العمل جارٍ الآن لإعداد مشروع قرار إلى مجلس الأمن تحت الفصل السابع مع الأمل بعدم صدور فيتو من موسكو. أما إذا استخدمت روسيا حق النقض، كما تضيف المصادر نقلاً عن مصدر في الوفد الأميركي، فإنّ واشنطن قد توافق على السماح بتمرير أسلحة للثوّار، عن طريق تركيا، مضادة للمروحيات والدروع، بالإضافة إلى تدريب مجموعات كبيرة من الجيش الحرّ، وهو تطوّر مُرشَّح أن يُحدِث تحوّلاً ملحوظاً في الواقع الميداني على الأرض لمصلحة الجيش الحرّ.
وتضيف المصادر نفسها أنّ الاعتبارات الأميركية المشار إليها آنفاً، والتي تستبعد التدخل العسكري قبل الانتخابات الرئاسية، قد تصبح هي الأخرى غير ذي قيمة في حال ظهر خلال الشهرين المقبلين، من خلال استطلاعات الرأي، أنّ التدخّل العسكري في سوريا يمثّل مصلحة انتخابية للإدارة الأميركية، خصوصاً مع تنامي الميل داخل الكونغرس الأميركي لهذا الاحتمال، وهو السبب الذي يشجّع المجلس الوطني السوري على التحضير لزيارة قريبة لواشنطن.