#dfp #adsense

تصفية حرب

حجم الخط

إنّ أقصر الطرق وأكثرها فاعليّة لإلغاء الآخر هو القتل. ولا قواعد للعبته، لذلك هو هروب من دائرة المنطق وأحقيّة الحياة الى الحيثيّة الإجراميّة وعنوانها التصفية الجسدية. وهي النتيجة الحتميّة لعدم جدوى المناهج السلميّة في التأثير والتغيير والصمت. لكنّ السؤال الذي يفرض ذاته في هذا المجال يبقى: هل سياسة التصفية الجسدية تشكّل وسيلة ناجحة للقضاءعلى الخصم ورأيه وطرحه، أم أنّ تداعياتها تنقلب على المصفّي نفسه، وتجذّر دوافع التمسّك بالقناعات لدى جماعة المغدورين، حتى في المجتمعات الإستبداديّة؟

يخطئ من يحسب أنّ عمليّات الاغتيال منتجة، بالرغم من أنّ الخسارة على مستوى الأشخاص – أيّا كانوا – هي غير مقبولة في كلّ الأعراف. فأوامر القتل العمد، وإن حقّقت أهدافها آنيّا بالتخلّص من "مفاتيح" مزعجة، لم تتفوّق يوماً وتصل الى قولبة وضع بصورة جذريّة، فالسياسة التصفوية نجاحها محدود وغير مستمرّ، لا بل غير فعّال.

شهد لبنان مرحلة قاتمة على صعيد الإبادة، إذ تمّ اغتيال الكثير من الرموز في السياسة والإعلام والقيادة، وقد تحوّلوا رموزا للشهادة والخلود في ضمير الناس. وكثرت محاولات التصفية التي لم تنتج فقدا بل ذعرا وضررا، وآخرها تلك التي استهدفت النائب بطرس حرب.

إنّ إزالة بطرس حرب من قائمة المتقدّمين لها دلالتها، فالرجل لخّص سيرته الذّاتية بعنوان الانتماء والولاء، والوطنيّة عنده فطريّة كالحبّ لا تلقّن، لذلك هو لا يساوم على مكوّناتها في زمن عانت الوطنيّة من قهر وشحّ. الوطنيّة معه سلوك لا مزايدة، ومشاعر تشعّ ولا تظهر، ورفض لأن يكون الباطل صوته أعلى وأبواقه أوسع. الوطنيّة مع بطرس حرب هي وقوده في حياته، لذا هو ملقّح ضدّ الخيانة والعمالة والغدر بالوطن، وهي مواسم رائجة مردودها هزيل مقابل فاتورة الكرامة.

والشيخ صلب الرأي والموقف، ثابت الإلتزام، غير متلوّن في السياسة والأهداف لأنّه يشكّل صوت الجماعة، تلك الرابطة التي تستلزم عنصري المسؤولية والوجوب. من هنا، كان من المستحيل أن يلبس لبوس التنكّر للثوابت المتمثّلة بالسيادة ودولة القانون ونهائيّة الكيان والتعاقد الإرادي الميثاقي بين مكوّناته. وقد جمع في شخصه رجل المنبر ورجل الممارسة والنضال فشكّل نغمة ناشزة لا تنسجم مع أوركسترا التبعيّة، ولا تخضع لأصابع قائدها.

أمّا وقد منيت المحاولة بالفشل، فقد فوّت المخطّطون هدفين: إزالة واحد من أكثر المدافعين عن الحريّات، الدّاعين الى أن تكون أجهزة الدولة وحدها فوق جميع التنظيمات والجماعات، ومسؤولة عن صياغة القرارات الملزمة ولا سيّما على صعيدي الأمن والدفاع. فلا دولة الى جانب الدولة، ولا ولاء إلاّ لمناخ العدالة والحريّة ما يقوّض المشاريع المنسوخة التي تجهز على مقوّمات عقد العيش الرّاهن. أمّا الهدف الثاني، فهو تعديل نتائج الإنتخابات العتيدة في منطقة البترون لمصلحة خصوم بطرس حرب وجبهته، لكونه من أبرز المرشّحين الثقة، والمضمون فوزه نظرا للقيمة النوعيّة التي يجسّدها في الخلقيّة والفهم والرصانة وبعد المعرفة ما يشكّل صعوبة في تحديد البديل وقبوله.

شيخ بطرس: من نذر نفسه ليعيش لبلاده، سيعيش متعباً لكنّه سيحيا عظيماً.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل