حسان الحسن – موقع التيار الوطني الحر
حيّر لغز الدبلوماسيين الإيرانيين الأربعة الذين خطفوا في لبنان في العام 1982، لبنان وإيران والدول المؤثرة والمحيطة بلبنان… ويستمر هذا اللغز بعد ثلاثين عاماً على الحادثة من دون كشف طلاسمه، تاركاً إلى الآن سرّهم مدفوناً ومصيرهم مجهولاً… ولكن ثمّة من قابلهم وعايشهم في أحد أقبية معتقلات القوات اللبنانية في الكرنتينا لا يزال حيّاً يرزق شاهداً على إحدى فظائع الحرب اللبنانية، ويملك معلومات لم تُنشر بعد… إنه الأستاذ الجامعي والصحافي الدكتور عيسى الأيوبي ابن بلدة النخلة في قضاء الكورة. بلسانه نتذكّر أياماً أليمة قضاها في المعتقل، وذكريات مع الإيرانيين الأربعة، ولحظات مصيرية معهم…
في العام 1982 عندما اجتاحت إسرائيل بيروت، كنت أعمل كصحافي في جريدة الرأي الأردنية وتحديداً في القسم العربي والدولي فيها، وكنت أواظب في مقالاتي على نقد الرئيس بشير الجميل، وبعد اغتياله واصلت نقد شقيقه الرئيس أمين الجميل، إلى أن طلب مني مسؤولون أردنيون التوقّف عن ذلك مراعاة للعلاقة بين الملك حسين والجميل. في حينه عرض عليّ القيّمون على الصحيفة أخذ إجازة في لبنان وإجراء مقابلتين مع كلٍّ من الجميل والرئيس شفيق الوزان، حتى أنهم حددوا لي موعداً مع الأول في 5 كانون الثاني 1983، فسافرت إلى لبنان قبل عيدي الميلاد ورأس السنة، ومكثت فترة الأعياد في الشمال متنقّلاً بين طرابلس وقريتي النخلة في قضاء الكورة.
وفي تاريخ 4 كانون الثاني توجّهت من طرابلس إلى بيروت لإجراء المقابلة مع الجميّل، وللغاية سلكت طريق طرابلس- شتورة عبر طريق القبيات- الهرمل بسيارة أجرة، إذ كان يتعذّر عليّ المرور عند حاجز البربارة التابع للقوات اللبنانية بسبب انتمائي إلى الحزب السوري القومي الاجتماعي. عندما وصلنا إلى شتورة، التقينا سائق تاكسي ينادي "بيروت راكب واحد"، فاستقلّيت سيارة الأجرة المذكورة، وتوجّهنا نحو طريق زحلة- ترشيش بدلاً من طريق ضهر البيدر التي كانت تشهد حوادث أمنية.
مررنا بالحواجز السورية على الطريق المذكور، ولم يوجّه لنا سوى سؤال واحد "الجميع لبنانيون؟"، وكان آخر هذه الحواجز السورية في بلدة العيرون في المتن الشمالي. والسؤال عينه كرره علينا حاجز للجيش اللبناني في منطقة الدوار. بعد هذا الحاجز بنحو مئتي متر اعترضتنا سيارة "ب أم ف" من طراز 2002 برتقالية اللون، وطلب من بداخلها من السائق أن يتبعهم إلى أن وصلنا إلى مركز أمني حزبي في محلة بيت الككو، لم أعرف في حينه ما إذا كان يعود لحزب الكتائب أم للقوات اللبنانية، بسبب عدم وجود أي إشارة حزبية تعرّف عن الجهة التي تشغله.
بعدما بتنا داخل المركز الحزبي، تمّ أخذ بطاقات هوياتنا الشخصية التي أعادوها إلى كلّ الركاب الذين كنت برفقتهم بعدما دققوا بها داخل إحدى الغرف، وقال لي أحد العناصر الحزبية بكل لطف "المعلم عايزك"، وسألني "هل لديك أمتعة في السيارة؟"، فأجبته "حقيبة السفر"، فتم نقل حقيبتي إلى سيارة من طراز مرسيدس.
بعد نحو نصف ساعة توجّه أحدهم إليّ بالقول "المعلم تحت عايزك شوي"، وعلى الفور اقتادتني مجموعة أمنية بلباسٍ مدنيٍ بعيداً من أي عنف إلى بيت "الكتائب" في جديدة المتن، حيث مكثت لبعض الوقت وطلب لي أحد العناصر فنجان قهوة وسيجارة. بعدها تكررت على مسامعي العبارة عينها "المعلم تحت عايزك"، فاقتادوني إلى منطقة الكرنتينا وتحديداً إلى مركز للقوات اللبنانية قرب معمل "سليب كومفورت"، دخلنا إلى صالون المركز ذات الأثاث المكتبي، ثم دخل العناصر الذين اقتادوني من الجديدة إلى أحد الغرف داخل المركز، ليطلّ بعدها من إحدى الغرف القواتي لابا لابا ابن قرية برسا- الكورة المتاخمة لقريتي، وكان والده مختار القرية في حينه يدّعي أن لابا هاجر إلى كندا، فسألني حرفياً "ماذا تفعل يا مير هنا؟، لا تحمل أيّ هم"، وجلس بالقرب مني واطمأن إليّ وإلى أخبار الكورة، ثم توجّه إليّ أحد العناصر بالقول" تفضّل معي يا أستاذ"، وقال لي لابا "مير بشوفك بعدين".
وما إن دخلت إلى أول الممر المؤدي إلى غرف المركز حتى انهالوا عليّ بالضرب بشكل همجي جداً، وأدخلوني إلى غرفة تحقيق، وطلبوا مني التوقيع على ورقة مستخدمين عبارات نابية، وحين سألتهم على ماذا أوقّع، كان ردّ أحدهم "سد بوزك"، فنظرت قليلاً إلى الورقة المكتوب في أعلاها جهاز أمن القوات اللبنانية، أما التهمة المدوّنة عليها فهي الانتماء إلى الحزب "القومي"، وقالوا لي "من الآن فصاعداً ليس لديك اسم عندنا، بل لديك فقط رقم".
لاحقاً وضعوا في رأسي كيساً أسود، وقيّدوا يديّ، مع أني كنت قد رأيت قبل ذلك كلّ الطرق والمقرّات إلى أن وصلت إلى الكرنتينا، حتى أن الكيس الأسود الذي وضعوه لم يحجب الرؤية بشكلٍ كاملٍ. وضعوني في سيارة أخذت تدور بنا حول المقرّ عينه، وحاولوا إيهامي أننا انتقلنا من المبنى من خلال القيادة السريعة بالسيارة واستعمال المكابح وإطلاق الزمامير، ولكنّني كنت أرى من تحت الكيس أننا في المكان عينه. وبعد وقتٍ توقّفت السيارة وأنزلوني إلى غرفة مدخلها كفتحة بئر عبر درج حديدي حلزوني، إلى أن وصلت إلى الطابق الثاني تحت الأرض، عندها سحبوا الكيس الأسود من رأسي، واقتادوني إلى قسم من الطابق المذكور يحتوي على ثماني غرف صغيرة، أربع مقابل أربع، وتتوسطها غرفة وممر، وطلب مني أحد العناصر أن أخلع ملابسي بالكامل، فامتثلت لتعليماته، وأدخلني بعدها إلى إحدى الغرف التي يبلغ طولها نحو ثمانين سنتمتراً وعرضها أيضاً نحو ثمانين سنتمتراً، وتحتوي صفيحة زيت فارغة، وفيها ثقب صغير في الباب.
بقيت أول ليلة وأنا أجهل مصيري، وكنت أسمع من حولي صراخ المعتقلين الذين يتعرّضون للتعذيب.
وفي اليوم التالي توجّهت إليّ مجموعة بالقول "أستاذ تفضّل إلبس ثيابك" ومنعوني من وضع ربطة العنق، وقيّدوني ووضعوا الكيس الأسود في رأسي، واقتادوني سيراً على الأقدام إلى إحدى الغرف حيث نزعوا الكيس عن رأسي فوجدت أمامي مكتباً وشابين مسلحين، وبعد قليل فُتح الباب الخلفي للمكتب ليطلّ منه المرحوم إيلي حبيقة وشخص آخر عرفت لاحقاً أنه أنطوان نجم وذلك من خلال صور القواتيين التي عرضها عليّ جهاز أمن "القومي" بعد خروجي إلى الحرية. ألقى عليّ حبيقة التحية وقال لي "معقول تغلط هيك غلطة؟، بتعرف حالك إنت مين؟، كيف بتجي على هيدي المنطقة؟!"، وتابع "أستاذ أيوبي، أنت قيادي في الحزب القومي فلماذا لم تسلك طريقاً آخر؟"، علماً أن نشاطي الحزبي كان محدوداً بسبب وجودي في الأردن آنذاك. امتدّ الحديث مع حبيقة لساعات، وكان فقط في السياسة من دون أن يكون له طابع تحقيقي، وخلاله دخل أحد العناصر وقال لحبيقة "معلم ما تنسى الموعد"، فأجابه "ينطروا شوي"، واعتذر مني قائلاً "أنا مرتبط بموعد، سأعود لاحقاً".
وما إن غادر حبيقة المكتب حتى انهالوا عليّ بالضرب على غرار اليوم الأول من الاعتقال، وأعادوني إلى غرفتي عارياً، وأذكر أني تعرّضت في تلك الليلة للتعذيب على يد "زهرا" الذي عرفت لاحقاً أنه أنطوان زهرا النائب في المجلس النيابي راهناً، والذي كان يستلذ بتبديل الكرابيج في عمليات التعذيب، ولكني أقسم بشرفي بأني لم أشعر بالعذاب بل فقدت كلّ إحساس، وكان بالنسبة إليّ أقسى أنواع التعذيب هو سماع أصوات استغاثة المعتقلين. ولا بدّ من الإشارة إلى أن أشهر الجلاّدين كانوا: الحنون من بلدة قاع الريم البقاعية، الأبونا، وزهرا، وهنري من بلدة أيطوا في قضاء زغرتا، وقد تعرّفت إليهم أيضاً عند خروجي من خلال صورهم الفوتوغرافية. وكان الحنون على عكس لقبه هو الأشدّ قسوة معي وأنزل بحقي أقسى طرق التعذيب، كان أفظعها ربطي على أرض مليئة بالمياه ثم جلدي بالكرابيج، وكان بعض العناصر يبول عليّ.
بقيت نحو شهر على هذه الحال من دون الخضوع لأي تحقيق، باستثناء نقلي ذات مرة بواسطة زورق إلى مركز إسرائيلي عند أحد الشواطئ ولكنني لم أستطع تحديد مكانه، وهناك خضعت لتحقيق شكلي وتم سؤالي عن علاقتي بالمقاومة التي كان الحزب القومي جزءاً أساسياً منها.
في أوائل شباط، قدمت إلى زنزانتي مجموعة لاقتيادي إلى التحقيق، إلاّ أنني لم أستطع الوقوف على قدمي، وكانت التعليمات تقتضي الوقوف والاستدارة نحو الحائط عند فتح باب الزنزانة، ققامت المجموعة بجري على الأرض إلى مكتب "الأبونا" الذي طلب منهم إعادتي إلى الزنزانة بسبب وضعي الصحي الحرج. بعد قليل قدمت إليّ مجموعة أخرى مؤلفة من نحو ثمانية عناصر حملوني وصعدوا بي على الدرج الحلزوني ونقلوني بواسطة سيارة جيب إلى مشفى في الكرنتينا، إلاّ أنهم لم يدخلوني إلى حرم المستشفى مباشرة، بل وضعوني على حمّالة في موقف المستشفى، وأحضروا مياهاً ومعقّمات وأغسلوني من الدم المتجمّد على جسدي، ووخذوني ببعض حقن المعالجة لم أعرف أنواعها. وقد دار في حينه جدل بين الفريقين الطبي والأمني بشأن ضرورة إبقائي في المشفى، غير أن الكلمة الفصل كانت للأمنيين الذين نقلوني من المشفى محمولاً وملفوفاً ببعض الشراشف إلى غرفة كبيرة مجهّزة بمطبخ وحمام وتضمّ معتقلين. هناك وضعوني على فراش اسفنجي وتركوني ملفوفاً بالشراشف، وكنت أسمع أصواتاً ولكنني كنت فاقداً للتركيز. وبعدما أخذت قسطاً من الراحة، فتحت عينيّ لأجد أمامي شباباً أبدوا كل الاهتمام بي، وأحضروا إليّ ملابس، وكانوا يتحدثون بلغة عربية ثقيلة وأحدهم لا يتقن العربية.
مع انقضاء الوقت رويداً رويدأ، تحسّنت حالتي الصحية وبدأت بالتعرّف إليهم لأكتشف أنهم الدبلوماسيون الإيرانيون الأربعة الذين لم أكن على علم بعملية خطفهم قبل اللقاء بهم، على رغم أنهم كانوا مخطوفين قبلي.