في البداية اعتقدت أن إحساس السلام الداخلي الذي شعرت به مردّه إلى وجودي على علو ألف متر. ثم فكّرت في أنه الجو العام، إذ كنت في فندق عبارة عن قلعة قديمة وقد تحوّل مركزاً للمؤتمرات في قرية كو الجبلية التي تربض في أعلى مدينة مونترو بسويسرا. يبدو هذا المنزل الجبلي الكبير كأنه بوتقة انصهار لجميع المشاركين، بتنوّعه وإبائه وقوّته. وعلى رغم أنه يضجّ بالحركة اذ يشهد سلسلة من المؤتمرات خلال فصل الصيف، يبثّ شعوراً بالهدوء والسكينة، ولحظات الصمت هنا أقوى تعبيراً من الكلام.
لقد وجدت متعة كبيرة جداً في الاختلاط بأكثر من 400 رجل وامرأة من مختلف الألوان والأعمار والجنسيات ومشارب الحياة التقوا معاً من أجل البحث في سبل تعزيز الأمن البشري. التنوّع مذهل هنا، والقيمة الكبرى هي لروح الإنسان. ولعل ما يساهم في هذه الأجواء هو أن المشاركين، بغض النظر عن دورهم في المؤتمر، يتناوبون على الطهو في المطبخ، وتقديم الطعام إلى الموائد، وغسل الأطباق، كما يتناولون أطباقاً يُعدّها ويُقدّمها أشخاص آخرون يتولّون أيضاً غسل صحونهم.
أليس هذا هو الأساس الذي تقوم عليه الجماعة؟ لكل شخص دوره من أجل لم شمل الجماعة ومساعدتها على الازدهار والتقدّم بسلام ونجاح وانسجام.
بعدما أمضيت نحو عشرة أيام في كو التي أغادرها بعد أيام قليلة، دُهِشت بالسلام الشديد الذي أحاط بأجواء المؤتمر. فعلى رغم الاضطرابات التي تعصف بحياة كل من المشاركين، هناك حس مشترك وشعور بالمسؤولية يجعلان المرء يعيش السلام قولاً وفعلاً.
لدى الاستماع إلى ميشلين كالمي-راي التي رأست سويسرا ولايتين، أدركت أن الحياد يعني أن تكون قوياً بطريقة فريدة. أن تحبّ وطنك لا يعني اطلاقا أن تخوض صراعاً عليه إلى درجة تحطيمه وتمزيقه إرباً إرباً. بل إن حب الوطن يعني الحفاظ عليه وخدمته ليصير من أفضل الأوطان على وجه الأرض. إنه يعني التركيز على نقاط قوّته والعمل بجهد كبير لتسوية النزاعات التي يتخبّط فيها ورفع التحدّيات التي يواجهها.
قالت كالمي-راي في افتتاح المحادثات في شأن الأمن البشري في كو: "سياسة الأمن البشري هي الجواب عن كل النزاعات المعقّدة التي غالباً ما تحل محل الحروب التقليدية". وشرحت أن السياسة الخارجية السويسرية تذهب أبعد من المصالح القومية لترويج رؤية سياسية عن "التقليد الإنساني للمبادئ والأخلاق الإنسانية في العمل السياسي".
محكومٌ على الأوطان بالفشل في غياب أمن بشري حقيقي يجعل حقوق المواطن وحاجاته محور الأجندة الحكومية. تستحقّ هذه الفكرة التوقّف عندها فيما نشاهد بألم السياسيين في عالمنا العربي يكتفون بالكلام من غير أن يقرنوا القول بالفعل. فمع استثناءات قليلة جداً، يتحدّث السياسيون العرب عن السلام وإشراك الجميع وحقوق الإنسان، ولكن نادراً ما يطبّقون تلك المبادئ النبيلة. وهذا الواقع دفع كثيرين إلى النزول إلى الشارع للمطالبة بالتغيير. وفي حين سلك بعض البلدان الطريق الطويل والشاق نحو التغيير المنشود، لا تزال بلدان أخرى في الظلام رهينة الزعماء السلطويين الذين لا يحترمون على الإطلاق حقوق الفرد وأمنه.
الدرس الذي أستمدّه من مؤتمر كو هو الآتي: من أجل تحقيق السلام، على المرء أن يلتزم تحسين عالمنا عبر بناء أوطان ذات حضور فاعل وقوي. ولا يتحقّق ذلك إلا من خلال بناء مجتمعات قويّة تتمتّع بدرجة عالية من النزاهة والشفافية والرؤية. يبدأ هذا المجهود معنا نحن الأفراد، انطلاقاً من ذواتنا وعائلاتنا. إذا لم نطهّر أنفسنا من الكراهية والأنانية، لا يمكننا بناء مجتمعات تنعم بالسلام.
قد تكون نظرة تفاؤلية جداً، لكن تحقيقها ليس مستحيلاً. أؤمن بالطاقة النابضة في قلوب شبابنا في العالم العربي، ولا سيما منهم القادة الشباب القادمين من الجزائر والمغرب وتونس ومصر ولبنان وفلسطين الذين التقيتهم هنا في كو. وقد راقبت باعتزاز كيف ساهمت مشاركتهم في مؤتمر "مبادرات التغيير" في كو في تمكينهم، وفي إبراز الجانب الأفضل في ممارساتهم الشخصية والسياسية.
آمل أن يتمكّنوا لدى عودتهم إلى أوطانهم الأم من تطبيق ما تعلّموه، ومن التأثير في الآخرين عبر العمل من أجل البناء الحقيقي للمجتمعات. عسى ألا تُخنَق أصواتهم وتُعطَّل حركتهم. والأهم من ذلك، عسى ألا يفسدهم الانحطاط واللامبالاة اللذان ترزح منطقتنا تحت وطأتهما منذ عقود طويلة!