يعيش المواطن اللبناني هاجس الانحدار الى خط الفقر، فالوضع الامني المتوتر ينعكس على الاقتصاد واذا كان جزء من اللبنانيين لا يهتم بالسياسة، فإن تطورات الاوضاع تفرض نفسها، في ظل حكومة غير دارية بمعاناة الناس وأوجاعهم.
مشاكل اللبنانيين لا تنتهي، وهي واحدة عند كل المواطنين على اختلاف انتماءاتهم الطائفية والحزبية، وأكثر مكان يمكن سماع شكاوى ومعاناة الناس هو في سيارة الأجرة التي تستخدمها الطبقتان الوسطى والفقيرة.
من جبيل الى الدورة، المفروض أن تأخذ الرحلة حوالى نصف ساعة، سائق الأجرة الذي يرى في الراكب كسبا للرزق، يعتبره ايضا مستمعا لهمومه، وسرد مشاكله لا ينتهي على الرغم من الوقت الطويل الذي تستغرقه الرحلة بسبب زحمة السير.
بعد الشكوى من الحرارة المرتفعة في بداية فصل الصيف، ينتقل الى الهموم المعيشية، سعر صفيحة البنزين يكويه أكثر من أشعة الشمس، وهي التي لامست الاربعين ألف ليرة في عهد الوزير جبران باسيل الذي وعد بأنه سيقطع يده ولن يوقّع على أي زيادة على سعرها، فاكتشف الناس انه كان يزايد على وزيرة المال السابقة ريّا الحسن.
في هذه الاثناء تمر سيارة اجرة عليها نمرة سورية "فينتفض السائق اللبناني مستهجناً ومتسائلا كيف تسمح الحكومة اللبنانية لهؤلاء بالعمل ومعظمهم لا يملك اوراقا قانونية في وقت لا يُعامِل الجانب السوري السائقين اللبنانيين بالمثل؟". ويؤكد أن "المهنة أصبحت مستحيلة في ظل منافسة السائقين السوريين وايضاً اللبنانيين الذين يعملون بنمر خصوصية ومُغطّون من جهات سياسية معروفة".
عند أول جونية تبدأ زحمة السير الدائمة التي لم تعرف حلاً منذ الإستقلال، وتستوقف امرأة سائق التاكسي ومعها مشتريات من السوبر ماركت، تريد النزول عند أول ذوق مصبح، وعند ذكر ذوق مصبح يتبادر الى الذهن معمل الذوق، فتروي المرأة قصّة إبنها "الذي كان منذ يومين في المستشفى بسبب الربو الذي أثّر على الرئتين، وليس لديهم ضمان، وقد كلفهم الكثير فأخذوه الى الطبيب ثلاث مرات وكل كشفية 50 دولارا ومن ثم نصحهم بإدخاله للمستشفى، ولم يجدوا سريراً لوزارة الصحة، وانتظروا وقتاً ليجدو سريرا وعلى الرغم من معالجته على نفقة الوزارة فإن الفرق الذي لا تغطّيه كان كبيرا وهم عاجزون عن دفعه".
وتتكلم المرأة عن "الغلاء الفاحش، فربطة الخبز الذي نقص وزنها ولم يزد سعرها كانت بمثابة ضربة من حكومة ميقاتي في لقمتهم، كما أن أسعار الخضار مرتفعة على الرغم من أنها تُشرى من عند المزارعين بسعر منخفض ويحقق التجّار فيها أرباحاً باهظة، والشريحة الاكبر تعاني وتضم المزارعين والمستهلكين".
كل هذا الحديث في قلب جونية لأن زحمة السير خانقة وما يزيدها إقدام البلدية على ازاحة لوحة اعلانية على الاوتوستراد في توقيت الظهر حيث ذروة السير، تنزل المرأة في الذوق بعد فضفضة معاناتها، ليستكمل التاكسي شق طريقه بصعوبة باتجاه بيروت.
تحت جسر ضبية يصعد شاب وفي يده ملف، وعند استفسار السائق عن محتواه، يخبره "انها سيرته الذاتية، فهو أنهى دراسته الجامعية منذ سنتين ويبحث عن عمل، أخذ إجازة في ادارة الاعمال لكنه حتى الآن لم يجد عملاً، الوعود كثيرة من دون نتيجة، فالحكومة لا تُقدم على اي خطوة من اجل تحسين اوضاع البلد، لا بل انها تضرب القطاع السياحي والمصرفي من خلال سياستها المؤيدة للنظام السوري حيث ان الكثير من التحذيرات الغربية أتت الى لبنان من مغبة تهريب اموال لشخصيات من النظام السوري، ما يضر سمعة القطاع ويجعله يتراجع".
هذه عينة صغيرة من معاناة الناس وغضبها من الحكومة، واذا كان المشوار من جبيل الى الدورة كشف جزءاً صغيراً فإن استكماله الى بيروت والجنوب والبقاع والعودة الى الشمال سيكشف معاناة الناس الحقيقية امام حكومة ميقاتي .. فهل تخجل؟!