تجمع مراجع أمنية وخبراء فنيون متخصصون في علم الجريمة، على أن "داتا" الاتصالات تشكّل العمود الفقري لأي تحقيق جدي في الجرائم المنظمة، وخصوصاً جرائم الاغتيال ومحاولات الاغتيال التي يكتوي لبنان بنارها منذ جريمة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري في 14 شباط 2005 وحتى اليوم.
ويرى هؤلاء الخبراء أن حجب "داتا" الاتصالات عن الأجهزة الأمنية منذ سبعة أشهر من دون أي مبرر لا يعدّ عملاً إدارياً أو تقيّداً بقرارات قضائية وفق ما يروّج البعض، إنما ينطلق من خلفية سياسية هدفها إما التغطية على منفذي محاولات الاغتيال التي عادت بقوة الى الساحة اللبنانية، وإما التواطؤ وتسهيل مهمة هؤلاء المجرمين، وفي الحالتين يكون المسؤول عن حجب "الداتا" عن الأجهزة الأمنية شريكاً في هذه الجرائم، ما يستوجب مساءلته ومحاسبته.
فإذا كان رفض إعطاء "الداتا" ينطلق من الحرص على عدم كشف أسرار اللبنانيين أمام الأجهزة وتعريض المواطنين للابتزاز، فإن خطر عودة مسلسل الاغتيالات الى لبنان هو أولوية تتقدّم على كل الاعتبارات، لأنه يقود الى الانهيار الأمني الشامل في البلد، ومع هذا الانهيار لا يبقى أي أهمية للخصوصيات التي يتذرّع وزير الاتصالات نقولا صحناوي في الحفاظ عليها، أو بالأحرى لا يبقى بلد ليكون لمواطنيه خصوصية فيه، خصوصاً أنه في الدول الغربية والأكثر ديموقراطية من لبنان والتي هي أكثر حرصاً على خصوصيات شعبها، فإن داتا الاتصالات تبقى مفتوحة أمام الأجهزة الأمنية تحت عنوان أولوية الأمن والاستقرار، وضمن الضوابط القانونية التي تحول دون المسّ بأسرار الناس، من دون أن يكون للدولة فضل في ذلك طالما أن القانون يحفظ لهم ذلك.
وفي هذا الإطار، أكد مصدر أمني مطّلع على أهمية "الداتا" في التحقيقات، أن "حركة الاتصالات ـ أي "الداتا" هي العنصر الأكثر أهمية في أي تحقيق على مستوى الاغتيالات". وأوضح لـ"المستقبل"، أن "توفير "الداتا" للأجهزة يفتح أمام التحقيق قنوات ومعطيات مهمّة للغاية باعتبار أن الاتصالات تبقى عاملاً مهماً للتواصل بين المنفذين ومن يواكبهم على الأرض وبين من خطط لهذه الجرائم".
وقال "إن فاعيلة "الداتا" تبدأ في معظم الأحيان بعد الجريمة، لأن اقتفاء أثر الاتصالات والرسائل الإلكترونية سواء المتصل أو المتصل به، والمرسل أو المرسل اليه، تنطلق من محيط موقع الجريمة ثم تبتعد شيئاً فشيئاً، وهذا ما يحصر الشبهات بالدائرة الصغيرة ثم الأصغر فالأصغر الى حين تحديد عدد معين من الأرقام التي تقع في دائرة الشبهة".
وشدد المصدر على أن "إعطاء جزء من "الداتا" وحجب الجزء الآخر هو كمن لا يعطي شيئاً، فالرقابة للاتصالات التي تقع في دائرة الشك، تبدأ بالمنطقة التي اتصل منها المشتبه به، والخط الذي اتصل به وهوية الخط الذي يستعمله وهوية الجهاز أيضاً ومدة الاتصال، ونوع الرسائل الإلكترونية ومضامينها، وضمن أي منطقة جعرافية حصلت هذه الاتصالات والرسائل".
أضاف المصدر الأمني "إن عنصر الاتصال يعتبر الدليل الأهم، ففي الشبهات الأخرى يستطيع المتهم أو المشتبه به أن ينكر، لكن أمام ما تتضمنه داتا الاتصالات لا يستطيع هذا المشتبه أو المتهم أن يتنكر لاتصالاته ومحادثته مع الشخص الآخر، أو أن ينكر أنه كان متواجداً في هذه المنطقة، وأنه انتقل منها الى منطقة أخرى في وقت محدد". مذكّراً بأن "الاتصالات كانت العامل الأول في الوصول الى كشف هوية المتهمين باغتيال الرئيس رفيق الحريري، وفي جرائم أخرى مماثلة".
وإذ لم ينكر المصدر أن "منفذي الاغتيالات ومحاولات الاغتيال هم عبارة عن تنظيمات محترفة، تتخذ احتياطات كبيرة على صعيد توخي اللجوء الى الاتصالات إلا في الحالات النادرة وعند الضرورة القصوى"، لفت الى أن "هناك خيوطاً يستطيع التحقيق أن يمسك بها وهي في صلب عمل أصحاب الاختصاص، ومن هنا تأتي معركة الأجهزة الأمنية مع من يصرّ على تقييدها والحد من حركتها في هذا الموضوع".