أفضت الجلسة التي عقدها مجلس الوزراء اللبناني مساء الاثنين في قصر بعبدا والتي امتدت نحو سبع ساعات وعالجت ملفات شديدة السخونة من الناحية الامنية والاجتماعية، الى مجموعة خلاصات وانطباعات غلب عليها طابع سلبي يصعب معه توقُّع معالجات جذرية للتأزم وموجات الاضطراب التي تتعاقب في لبنان بأوجه مختلفة.
ذلك انه حتى في الوجه الايجابي الذي تباهى به بعض القوى السياسية لجهة القول ان الحكومة نجحت في تجاوز مأزق الانقسامات بين قواها كما نجحت في احتواء حالة العصيان التي شهدتها منطقة عكار وكانت تنذر بالاسوأ، بدا هذا الامر ظرفياً وموقتاً، كما اعترفت بذلك الحكومة نفسها.
وتقول مصادر وزارية في الفريق الوسطي لصحيفة «الراي» الكويتية ان ما توصّل اليه مجلس الوزراء من قرارات يُعتبر افضل الممكن وسط التوازنات السلبية التي باتت تطبع واقع الحكومة، ولكنه لا يشكل فعلاً معالجات بالمعنى الجذري المطلوب لايّ من الملفات التي عولجت. وقد بدا هاجس معظم القوى في الجلسة هو تجنُّب انفراط عقد الحكومة تحت وطأة الخلافات على كل شيء تقريباً، وهو الامر الذي استتبع اتفاقاً على عدم طرح اي ملف على التصويت بل اتخاذ قرارات توافقية تخضع لمنطق التسويات. وبرز ذلك في أنصاف مخارج لمعالجة ظاهرة الاحتجاجات في عكار عبر اعادة توسيع التحقيق العسكري في مقتل الشيخ احمد عبد الواحد ورفيقه محمد مرعب على حاجز للجيش اللبناني اي باعادة التحقيق مع الضباط الثلاثة والعسكريين الثمانية الذين اطلقوا الاسبوع الماضي، وكذلك في مسألة «داتا الاتصالات» التي كادت تفجر الجلسة، ومن ثم اقرار خطة لنشر الجيش على الحدود الشمالية مع سورية.
وتضيف الاوساط الوزارية ان أنصاف المخارج والتسويات هذه ضمنت على ما يبدو تنفيس الاحتقانات في المرحلة الحالية ومنع تفاقُم الامور، ولكنها لم تشكل ضمانات كافية وثابتة بعدم تجدد التأزيم إن على الارض او داخل الحكومة. فعلى غرار قرار انشاء نفق في منطقة جل الديب تجنباً لقطع الطريق الساحلية كما كان يهدّد اهالي المنطقة بتحركهم، بدت الحكومة كأنها توقّع «شيكات « تعوزها الارصدة، او على الاقل مؤجلة الدفع لارضاء شارعٍ من هنا وشارع من هناك.
واذا كانت الحكومة ضمنت لنفسها بمجموعة القرارات التي اتخذتها بعض مقومات «العودة» عن خطر الانفراط، فان ذلك لم يحجب تخبطها الهائل في العجز عن التماسك السياسي بين أطرافها بالدرجة الاولى وكذلك عجزها عن تحكيم منطق القانون والحزم في تنفيذ قرارات متخذة سابقاً ولم يكن من داع لاعادة صوغها تحت وطأة ضغط الشارع وضعف القدرة التنفيذية لدى مختلف الاجهزة على تطبيق هذه القرارات.
وتشير الاوساط الوزارية في هذا السياق الى ان ما افضت اليه الجلسة، التي أُتبعت بجلسة اخرى صباح امس خصصت لمناقشة الموازنة وتُستكمل اليوم، هو ان القرار الغالب داخلياً وخارجياً لا يزال يوفر للحكومة البقاء حتى اشعار آخر، وهو قرار يتكىء على معطيات عدة قد يكون أبرزها عدم نضوج الظروف بعد للبحث في بديل من هذه الحكومة. ولكن هذا العامل لم يعد لمصلحة الحكومة بل بات يؤشر الى انها باقية لمجرد البقاء وليس اكثر خوفاً من فتح حقبة من الفراغ يُخشى ان يَصعب وضع نهاية لها ما دام لبنان بأسره يعيش مرحلة تأثره بانعكاسات الازمة السورية.
وتلفت اوساط سياسية في هذا السياق الى ان الزيارة التي سيقوم بها نائب وزيرة الخارجية الاميركية وليم بيرنز لبيروت غداً قد تحمل مؤشرات ذات دلالة. ذلك ان الزيارة، كما هو متوقع، ستعكس تنامي الخشية الاميركية من ارتدادات الازمة السورية على لبنان، وحرص واشنطن على عبور لبنان هذه المرحلة بالحد الاقصى الممكن من منع انزلاقه الى زعزعة الاستقرار. ومن هذه الزاوية حصراً يمكن فهم تخصيص بيروت بهذه الزيارة الان، ولو أفادت منها الحكومة بصورة الدعم الاميركي لاستمرارها، ولكنه دعم لا يقدم الكثير اليها في ضوء الضعف البنيوي الداخلي المتصاعد في واقعها، علما ان صوت المعارضة قد يغدو مسموعاً اكثر فاكثر لدى واشنطن وسواها كلما أظهر الواقع الحكومي الحالي العجز الكبير عن الحد من انعكاسات الأزمة السورية على لبنان.
وكان ملف عكار رسا على تسوية هنْدسها الرئيس سليمان وقضت بإنجاز مفوض الحكومة لدى المحكمة العسكرية صقر صقر مطالعة فرعية في ملف حادث مقتل الشيخين طلب فيها من قاضي التحقيق العسكري الاول رياض طليع التوسع في التحقيق في الحادث والاستماع الى كل من يقتضي الاستماع اليه من افادات، مدنيين او عسكريين، في اطار جلاء ملابسات الحادث بمن فيهم الاشخاص المدعى عليهم وذلك في اشراف مباشر من النائب العام التمييزي القاضي سعيد ميرزا، واطلاع مجلس الوزراء على نتائج التحقيق لاتخاذ القرار المناسب، مما عنى عدم غلق الباب «رسمياً» على الاحالة على المجلس العدلي.
وسرعان ما قوبل قرار مجلس الوزراء بارتياح نسبي في عكار، حيث اعتبر عضو لجنة المتابعة العكارية لقضية الشيخين عبد الواحد ورفيقه مرعب النائب خالد الضاهر أن خطوات مجلس الوزراء في شأن التوسع في التحقيق هي خطوات ايجابية «رغم اننا كنا نفضل إحالة الملف إلى المجلس العدلي»، في حين اشارت تقارير الى أن اللجنة قررت الطلب من الأهالي التريث في التحرّك الذي كانت تزمع اتخاذه لافساح المجال امامها للقيام بسلسلة اتصالات ولقاءات أبرزها مع رئيس الحكومة ومع الرئيس فؤاد السنيورة وغيرهما من القيادات لمتابعة هذه القضية معهم في اتجاه تحقيق العدالة وفق ما قرره مجلس الوزراء لجهة تكليف وزير العدل باعداد دراسة لاحالة القضية على المجلس العدلي.