كتبت رحاب أبو الحسن في صحيفة "اللواء":
تكثّفت المطالبات السياسية بإحالة قضية مقتل الشيخين عبد الواحد ومرعب إلى المجلس العدلي خاصة بعد إطلاق سراح عدد من الضباط والعسكريين بعد أن كانوا أحيلوا إلى المحكمة العسكرية.
وبعد التهديد بالعصيان المدني في عكار، عمدت الحكومة إلى إتخاذ قرار بمعالجة القضيّة «وفقاً للصيغة القانونية»أي التوسّع في التحقيقات وتكليف مدعي عام التمييز القاضي سعيد ميرزا الإشراف عليها، وتكليف وزير العدل شكيب قرطباوي درس إمكانية إحالة الملف على المجلس العدلي.
وتشير المعلومات إلى أن المخرج المطروح سيستند إلى إنجاز مفوض الحكومة لدى المحكمة العسكرية صقر صقر مطالعة فرعية في ملف حادث الكويخات يطلب فيها من قاضي التحقيق العسكري الأول رياض طليع التوسع في التحقيق في الحادث والإستماع إلى كل من يقتضي الإستماع إليه من إفادات، مدنيي أو عسكريين، في إطار جلاء ملابسات الحادث بمن فيهم الأاشخاص المدعى عليهم، أي إعادة توقيف الضباط الذين جرت تخليتهمفي إشراف مباشر من النائب العام التمييزي وإطلاع مجلس الوزراء على نتائج التحقيق لإتخاذ القرار المناسب، مما يعني ترك الباب مفتوحا على الاحالة على المجلس العدلي.
المواقف من القضية إنقسمت كما حال كل الأمور في البلد بين فريقي المعارضة المصرّ على إحالة قضية الشيخين إلى المجلس العدلي، وبين فريق الأكثرية الحالية الرافض لهذا الأمر على إعتبار أن الجريمة لا تقع تحت أحكام المواد 270 إلى 336 من قانون العقوبات، كما قال أحد خبراء القانون، ولأن المحكمة العسكرية هي محكمة استثنائية والمجلس العدلي هو محكمة استثنائية أيضاً ولا يمكن أن يكون دور أي منهما على حساب الآخر، كما أنه لا يجوز القول أن أي قرار يصدر عن المحكمة العسكرية هو قرار مسيس لأن الجيش ومؤسساته يجب أن تكون فوق أي شبهة، علما أن هذا التشكيك يمس بهيبة الجيش اللبناني في هذه القضية، وتصويره كأنه عصابات مسلحة أو فريق يحرض على الفتنة والمذهبية، فالجيش عماد الوطن ويجب أن نحافظ على هيبته ومكانته.
وعن ضرورة محاسبة أي مخالف للقانون حتى لو كان من الجيش اللبناني أكد المصدر أن لا أحد فوق القانون، وهؤلاء الضباط والعناصر حوكموا في المحكمة العسكرية، واليوم سيتم التوسع في التحقيق معهم ويجب القبول بنتيجة هذا التحقيق، لافتا إلى أن أحكام المحكمة العسكرية قد تكون أقوى، وهناك مجلس تأديبي ويمكن أن يكون العقاب الفصل أو الطرد من المؤسسة، وعليه لا يمكن ولا يجوز الإستخفاف.
نجار
بدوره رأى وزير العدل السابق إبراهيم نجار أن إحالة قضية الكويخات إلى المجلس العدلي فيها رمزية قويّة، وهي من صلاحية مجلس الوزراء «لكن لا يكفي لمجلس الوزراء أن يتخذ القرار لأن صلاحية المجلس العدلي تبقى رهن طعن المحقق العدلي ورهن القبول بها من قبل المجلس العدلي.
واعتبر خطوة الحكومة في التوسّع بالتحقيق خطوة رمزية سياسية بإمتياز لأنها تؤدي إلى إمتصاص النقمة وإعطاء إشارة واضحة إلى أن الحكومة تتعاطى مع هذا الموضوع في منتهى الجديّة، لافتا إلى وجود قضايا متعددة أحيلت إلى المجلس العدلي وهي دون هذه القضية أهمية، وعددها بالعشرات.
وأشار إلى أن العائق الحقيقي أمام عدم إحالة قضية الشيخين إلى المجلس العدلي يعود إلى إتهام ضباط من الجيش اللبناني بها، وهو الأمر الذي يثير حفيظة البعض، الذي كان سابقا يطالب بإحالة ملف شهودالزور إلى المجلس العدلي، معتبرا ضمن هذا الإطار أنه بات من الضروري إخراج هذا الموضوع من نطاق المحكمة العسكرية، مشددا في الوقت عينه أنه من الناحية التقنية لا يمكن وضع قضية شهود الزور في مستوى قضية مذهبية من هذا النوع، لأن موضوع شهود الزور منصوص عليه في القانون وعقوبته معروفة ولا يشكل جناية بحد ذاته إلا إذا كان أحد عناصر الجناية أكثر منه، بينما الذي حدث في مسألة قتل الشيخين ومحاولة إغتيال كل من سمير جعجع والنائب بطرس حرب يوضح أن هناك إرادة سياسية خلفه، معربا عن خشيته من أن يكون هناك من يوازي بين موضوع شهود الزور وهذه المواضيع، محذّرا من أنه إذا بلغنا هذا الحد سيستحيل في المستقبل إحالة أي قضية على المجلس العدلي.
ما هو المجلس العدلي؟
المجلس العدلي محكمة إستثنائية مؤلفة من كبار القضاة ورئيسها هو رئيس محكمة التمييز، إضافة إلى أربعة قضاة من محكمة التمييز والنائب العام التمييزي، وهي تنظر في الجرائم المنصوص عنها في قانون العقوبات من المادة 270 إلي المادة 336 إضافة إلى قانون ريمون إدة «القاتل يعدم».
إرتبط ظهور المجلس العدلي في لبنان للمرة الأولى بالفتن الطائفية، إذ تعود نشأته إلى عام 1923 عندما اندلعت في الشوف فتنة طائفية سقط ضحيتها عددكبير من القتلى في مناطق لبنانية عديدة، وهذا ما دفع المجلس النيابي إلى إقرار مشروع القانون المتعلق بإنشاء المجلس العدلي بموجب القرار رقم 1905 تاريخ 1923/5/12 الذي أصدره حاكم لبنان الكبير ترابو.
وبتاريخ 1923/5/24 صدر القرار رقم 1915 الذي عاقب كل شريك لمرتكب الجرائم المحالة أمام المجلس العدلي بذات العقوبات التي يعاقب بها الفاعل الأصلي. ثم صدر القرار رقم 2400 تاريخ 1924/3/28 الذي نص بأن إحالة الجرائم إلى المجلس العدلي يتم بموجب قرار صادر عن حاكم لبنان الكبير.
يتالف المجلس العدلي من الرئيس الأول لمحكمة التمييز (رئيساً). وإذا تعذّر عليه أن يترأس هيئة المجلس، يتولى رئاسته العضو المعين الأعلى رتبة، اضافة الى أربعة قضاة اعضاء من محكمة التمييز يعينونَ بمرسوم يتخذ في مجلس الوزراء، بناءً على اقتراح وزير العدل وموافقة مجلس القضاء الأعلى، ويعيّنُ في المرسوم قاضٍ إضافي أو أكثر ليحل محل الأصيل في حال وفاته أو تنحيه او انتهاء خدمته، كما يمثلُ النيابة العامة لدى المجلس العدلي النائب العام التمييزي او من ينوب عنه من معاونيه.
وقد أحيل إلى المجلس العدلي منذ إنشائه ولغاية صدور قانون أصول المحاكمات الجزائية عام 1948 حوالي 180 قضية.
ولما صدر قانون اصول المحاكمات الجزائية بتاريخ 1948/9/18، خصص الباب الحادي عشر منه للجرائم الواقعة علىأمن الدولة، وسمي المحكمة الناظرة بهذه الجرائم بالمجلس العدلي، وحدد إختصاص هذه المحكمة بالنظر في الجرائم المنصوص عليها في المادة 270 وما يليها حتى المادة 336 من قانون العقوبات على أن تحال الدعوى عليه بموجب مرسوم يتخذ في مجلس الوزراء.
ثم صدر القانون رقم 10 بتاريخ1972/9/20 الذي خوَّل المجلس العدلي حق النظر بالجرائم الناتجة عن صفقات الأسلحة والأعتدة وجميع الجرائم المرتبطة بها أو المتفرعة عنها.
وقد بلغ عدد الجرائم المحالة إلى المجلس العدلي منذ صدور قانون 1948 ولغاية إنتهاء الحرب الأهلية أواخر عام 1989 ما يقارب 90 قضية.
وبسبب خطورة الجرائم التي ينظر فيها المجلس العدلي إستثنيت هذه الجرائم من العفو العام الذي منحه القانون رقم 84 تاريخ 1991/8/26للجرائم المرتكبة قبل تاريخ 28 آذار 1991.
وقد أراد المشترع بهذا الإستثناء، إعطاء أهمية خاصة للمجلس العدلي ومنحه دوراً في عملية تثبيت السلم والأمن في البلاد ومواكبة عملية بناء الدولة الحديثة مع ما يستلزم ذلك من مواجهات للتحديات الكبيرة التي يعجز القضاء العادي عن التصدي لها بالحزم والقوة اللازمة.
قضايا
قضايا كثيرة أحيلت أمام المجلس العدلي أبرزها:
قضية إغتيال معروف سعد، قضية إغتيال كمال جنبلاط، قضية إغتيال بشير الجميل، قضية إغتيال طوني فرنجية، قضية إغتيال الرئيس رشيد كرامي، قضية إغتيال رئيس الجمهورية رينيه معوض، قضية اغتيال النائب ناظم القادري، قضية اغتيال داني شمعون، قضية إختفاء الإمام موسى الصدر، قضية إغتيال مصطفى معروف سعد، قضية إغتصاب السلطة السياسية والقيادة العسكرية من قبل الضباط ميشال عون وإدغار معلوف وعصام أبو جمرا، قضية منطقة نهر الموت التي نتج عنها عدد من القتلى والجرحى، قضية مقتل الأخوين انطونيوس التي أحيلت إلى المجلس العدلي لوضع الحد للمخاوف الطائفية التي نتجت عن هذه الجريمة، قضية تفجير جسر البلمند باعتبارها جريمة اعتداء على أمن الدولة الداخلي والسلامة العامة، قضية الإعتداء على البيت المركزي لحزب الكتائب باعتبارها قضية اعتداء على أمن الدولة الداخلي والسلامة العامة، قضية اغتيال المستشار الأول في السفارة الأردنية سهيل المعايطة باعتبارها قضيةإعتداء على أمن الدولة الداخلي، قضية تفجير كنيسة سيدة النجاة، قضية النفايات السامة، قضية اغتيال الشيخ نزار الحلبي، قضية عين بورضاي والناجمة عن تأليف مجموعات مسلحة بقصد الإعتداء على الناس والنيل من سلطة الدولة وهيبتها والتعرض لمؤسساتها المدنية والعسكرية وقطع الطرق واطلاق النار والتي اقترنت بالحوادث والمواجهات، قضية اغتيال القضاة الأربعة في صيدا، قضية جرود الضنية والسفارة الروسية والتي أسفر عنها مقتل بعض العسكريين والمدنيين، جريمة الإعتداء على السفارة الروسية في بيروت، إغتيال الوزير إيلي حبيقة في الحازمية، الاعتداء على صندوق تعويضات أفراد الهيئة التعليمية في المدارس الخاصة في بيروت – الأونيسكو، محاولة إغتيال النائب مروان حمادة ومقتل مرافقه في بيروت – الروشة، إغتيال رئيس مجلس الوزراء السابق رفيق الحريري ومرافقيه في بيروت – السان جورج والتي أحيلت الى المحكمة الدولية الخاصة بلبنان مع جميع الجرائم المرتبطة بها، إغتيال الصحافي سمير قصير في بيروت – الأشرفية، إغتيال الأمين العام السابق للحزب الشيوعي اللبناني السيد جورج حاوي في بيروت – وطى المصيطبة، محاولة إغتيال الوزير الياس المر في النقاش، محاولة إغتيال الصحافية مي شدياق في جونية – غادير، إغتيال النائب الصحافي جبران غسان تويني ومرافقيه في المكلس، قتل وجرح عدة أشخاص في عين علق، قضية قتل الزيادين، قتل وجرح عدة عسكريين ومدنيين في مخيم نهر البارد وفي البحصاص – طرابلس، إغتيال النائب القاضي وليد عيدو ونجله ومرافقيه في بيروت – منطقة الحمام العسكري، إغتيال النائب أنطوان غانم ومرافقيه في حرش تابت – سن الفيل، إغتيال العميد الركن في الجيش اللبناني فرنسوا الحاج ورفاقه في بعبدا، مقتل السيدين سليم عاصي ونصري ماروني في زحلة، إغتيال الشيخ صالح العريضي في بيصور، وغيرها…
والمجلس العدلي ككل محكمة استثنائية ذو اختصاص حصري وضيق حيث لا يجوز التوسع في تفسير الجرائم التي تعرض عليه، ويعود له أن يعلن عدم اختصاصه للنظر في الجريمة موضوع الدعوى المحالة عليه فيما لو تبين له أن هذه الجريمة بتكييفها ليست من الجرائم التي وليَّ استثناءاً أمر النظر فيها بعد تعدادها تعريفاً وحصراً، ولا محل للقول أن قرار الإتهام الصادر عن المحقق العدلي يوليه الإختصاص بصورة نهائية، كذلك فإن مرسوم الإحالة الذي تصدره السلطة التنفيذية ليس من طبيعته تقييد حرية المجلس في التحقق من اختصاصه.
واللافت أن فاتحة القضايا التي نظر فيها المجلس العدلي هي قضايا تتعلق بالفتن الطائفية، كما ان غالبية الدعاوى التي أحيلت إليه بعد عام1990 هي قضايا ترتبط بنزاعات تتلون بالصبغة الطائفية أو تثير المخاوف من أن تكون ردة الفعل عليها ذات طابع طائفي.