#adsense

حنكش وفيلمون

حجم الخط

 كان نجيب حنكش النسخة المعاصرة والخفيفة الظل، من "كليلة ودمنة". حوّل كل الدروس الى نكات. ولئلا يستثير قبيلة او غريزة، في ضيق الصدور، جعل كل النكات على زحلة، كما اتكل على سعة صدور اهل حمص الذين كانوا نموذج البساطة، وها هم محوا الصورة من الذاكرة وعلقوا صورة الشهادة.

كانت احدى نكات حنكش المفضلة حكاية الزحلاوي الذاهب الى الكروم (طبعا) فمرّ في الطريق بصديق له يغسل هرّته بقوة، فحذره قائلا: "مهلا، فقد تقتلها من شدة الغسل". فقال الصديق هازئاً: "وهل يقتل الغسيل". ولما عاد الرجل من الكروم (طبعا) رأى الهرة ميتة، وصديقه يبكيها، فقال له: "ألم أقل لك إنها ستموت من الغسيل؟". قال هذا مدافعاً: "ما ماتتش من الغسيل، ماتت من العصر!".

تموت أمامنا الدولة من العصر – من الذين يبهدلونها كل يوم، بداعي الحرص والخلاص، يوبخونها ويؤنبون رئاسة الجمهورية، ويهددون رئاسة الحكومة ويعنفون رئيسها. يتهمون ضابط الجيش الذي قتل لأنه ذهب بطائرته الى الجنوب: "ماذا ذهب يفعل هناك، وبأمر ممّن؟".

يكررون في عنف انه لا يجب "تسييس" جرائم الاغتيالات وكأنها وقعت في كباريه في خلاف على "انغاجيه".
هذه هي النتيجة: الموت من العصر، وليس من عنف الغسيل. يعلن وزير الداخلية ان ثمة محاولة على سمير جعجع، ويُعتقل جان في حريق "الجديد"، ويتوافر عشرات الشهود في تفخيخ مصعد بطرس حرب، وتعامل كل هذه القضايا على ان الرجل المستهدف يحب، سرا، الانتحار. ثمة جملة شهيرة في هذا الباب، قيلت يوم قتل جبران تويني بألف طن من مخزونات الوطنية: "اريد ان انتظر نتائج التحقيق". تكررت الجملة المأثورة نفسها مع كل موت معلن لبقايا الوطن. والآن ثمة لوعة على موات الدولة.

عرف هذا النمط من السخرية والعبث بـ"تسخيف الشر" وفق تعبير حنه ارندت. لا تبقى اهمية لشيء او مأساة. لم تعد القضية ان مي شدياق فقدت نصف اطرافها. بل اين كانت عندما فخخت سيارتها. ليست المسألة ان شخصية وطنية في وزن بطرس حرب نجت من مؤامرة معلنة، بل في انتظار نتائج التحقيق. كأنما رواية "موت معلن" لغارسيا ماركيز تتكرر في لبنان. الجميع يعرفون التفاصيل سلفا والمدينة عاجزة، تتفرج من ثقوب الابواب. وترتعد خوفا وعجزا.

تجري المحافظة على "مسيحيي المشرق" في تعيينات الكهرباء. بطرس حرب مسألة تفصيلية. المواقع التقليدية في الدولة (وليس في الحكومة) وداعا. المفاهيم الميثاقية وداعا. اخلاقيات الوسطية الوطنية وداعا. آداب المراعاة والاعتبار واصول المشاركة بخاطركم. وعدناكم بولادة لبنان جديد، تفضلوا، ها هو. الدنيا عتم والخناقة على مياومي الكهرباء. استكملوا زراعة الريح. حصادكم لن يتغير.
منذ عشرات السنين وماكيافيللي يتمشى في لبنان، رافعا كتابه بيسراه. وبضعة مساكين يحاولون الوقوف في طريقه: يا سنيور. لم يبق شيء. لم يبق أحد. الفارق بين ماكيافيللي وسائر منظري السياسة والاجتماع، انه فكر في الدنيا من اجل نفسه. الآخرون، من افلاطون الى ماركس، ارادوا عالما – او وطنا – يعيش فيه الجميع.

منذ الاستقلال الى اليوم، يسود مبدأ توماس جيفرسون الذي كتب الى صديقه: "من اللحظة التي يضع فيها الرجل عينه على كرسي سياسي، يبدأ في سلوكه عفن ما".
الاعتصام، في بلاد الناس، عمل رمزي يقام دائما في اماكن محددة لئلا يعوق حركة البشر او حياتهم. الاعتصام في قلب بيروت مدة سنتين واقفال وسط العاصمة كان سابقة خطرة، يدفع "التيار" ثمنها امام مؤسسة الكهرباء الآن. يومها قال احد نوابه (على التلفزيون) انه انتصار للعروبة. الاعتداء على الكهرباء، من الدائمين والمداومين والمياومين، انتصار للخراب وزوال الدولة. والتعبير الاخير ليس جملة ادبية او حبكة في مقال. فلم يبق من معالم بقاء الدولة شيء. وعندما ينتقل مفهوم العروبة من وحدة الامة الى الوحدة في اقفال بيروت، لا يعود للتأويل علاقة بالقول، ولا للحقيقة علاقة بهذا العبث الرهيب. سمى العرب ساعتهم الاولى "المزولة".

دق التاريخ باب ريتشارد نيكسون ورماه من النافذة لأنه كذب على شعبه، وها هي الشرطة تدق باب نيكولا ساركوزي لتبلغه ان ما من حصانة الا وتنتهي ذات يوم. باب الفساد وسيع وحبله قصير. خلدت الذاكرة الانسانية الرجال الطيبين وصانعي الحسنات. هزم نجار من الناصرة امبراطورية روما، وراع من قريش مجد الاصنام. وسوف تعرف الهند بأنها سارت خلف محام من جنوب افريقيا يدعى غاندي، وراهبة البانية الاصل تحمل في التبتل اسم تيريزا. اما في عمل الخير فتحمل لقب الأم. فقد قيل ان المسيح تجسد لكي تكون له أم.

لا. ليس ذلك من قبيل الوعظ او التبشير، بل من قبيل الحياة، وحب الارض بدل التعلق بالقش، والاسلاك التي يؤدي احتكاكها الى الفحم.
الحكم مفسدة، كما هو شائع. لأن اهله يمضون الوقت يدرسون كيف يسيطرون على الآخرين، وخصوصا بعضهم على البعض. وينسون بديهة غاية في البساطة: كيف يسيطرون على انفسهم، وكيف يصانعون سلوكهم، وكيف يتذكرون ان الحكم ما تعطي وليس ما تأخذ، ما تترك وليس ما تورث. فما انت الى وكيل مؤتمن. اسميا على الاقل.

بعدما فلح البابا الكسندر فسادا ثم رأى ابنه المزعوم جثة في نهر التبر، تحول احد اشهر الاصلاحيين في التاريخ.
ألغى جميع المظاهر التي متّع بها الكاردينالات انفسهم، معلنا "سوف نبدأ الاصلاح في انفسنا وصولا الى جميع المستويات في الكنيسة".
لكن الدرس الاهم هو هذا: "اشد الاخطار على البابا هي انه محاط بالمتملقين. انه لا يسمع ابدا الحقيقة عن نفسه، وينتهي به الامر انه لا يعود يطيق سماعها".

حتى ماكيافيللي، منظّر الدناءة، حذر السياسي من ان عليه ان يسأل، وان يصغي جيدا الى الاجابة. "من بعدنا الطوفان" قال لويس الرابع عشر، لكنه وجد نفسه في قلب الطوفان يطفو مع كعبه العالي المتغطرس. وكان الرئيس شارل حلو، على رغم فكره – وتجربته اللبنانية والمشرقية – يفاخر بأنه ظل يقلّب كرة النار حتى سلّمها الى من بعده. من كان يريد ان يحمي؟ نفسه أم الوطن، الذي احتفى به سياسيا ومفكرا، حتى جعله يتصوّر بالعلَم على صدره؟ ما هو المطلوب بعد الرئاسة؟ ان تذكر بما حققت لنفسك، أم بما حققت لقسمك؟

رفض ريمون اده ان يحلف يمينا لا يقدر المحافظة عليه. ليس خوفا من الله الذي يقسم به، فهو غفور رحيم، ولكن من الضمير الذي لا يغفر ولا يرحم ولا ينسى. لا نفسه، ولا سواه. العمل السياسي ليس نزهة وغلالا وادعاءات وحوافر تدوس الحقائق. ألمعية بطرس حرب في آدميته اولا، وفي سيرة سياسية خارج المناصب وداخلها. والسيرة هي التي اريد اغتيالها.

نرجو الا يكون احد في انتظار نتائج التحقيق. فأي تحقيق في تاريخ لبنان ادى الى نتيجة؟ اروع ما قيل في هذا الباب المفتوح من زمان، يوم اغتيل وزير خارجية اليمن محمد النعمان. فقال والده، الرئيس احمد النعمان الذي لم تفارق الابتسامة العبقرية وجهه: من الحرام ان تطلبوا من لبنان معرفة الفاعل. هذا بلد مسكين لا يستطيع تحمل مثل هذا. على ان صور المشبوهين في قضية بطرس حرب وزعت على المخافر. لم يبق سوى التعرف على اصحابها لكي يرقص ميزان العدالة فرحا.

يريد المياومون والمداومون احراق البلد من دون اشعال مصباح واحد في مدينة مطفأة وموقودة. والاوطان لا تحتاج الى فلسفات ولا الى ايديولوجيات. قليل من رد الجميل وقليل من التواضع وقليل من حب الارض مقابل الفائض من حب النفس، التي هي دائما امارة بالسوء. مسكين هذا البلد. جميع مواطنيه يدافعون عن سواه. وجميعهم معتصمون ضده. ساحات ساحات. واذاعات اذاعات. وتلفزيونات وفضائيات. وعائلات عائلات. وتيارات وقوات. ورحم الله فيلمون وهبي واغنيته الشهيرة في الحرب. مثلها مثل نكتة حنكش. حرقوا سلافك يا لبنان.

المصدر:
النهار

خبر عاجل