#dfp #adsense

“الجمهورية”: لماذا تخلّت موسكو عن الأسد وماذا تنتظر؟

حجم الخط

كتب عمر الصلح في صحيفة "الجمهورية":

ممثلو المعارضة السورية مجدّداً في موسكو في زيارة تحمل الكثير من الدلالات في الشكل والمضمون. فمن ناحية الحضور، وصل وفدان من المعارضة السورية، واحد برئاسة ميشيل كيلو والآخر برئاسة عبد الباسط سيدا.

الإعلان عن الزيارة كان كافياً لتحديد مستوى الوفد، فهي المرّة الاولى التي تطلق فيها الخارجية الروسية صفة زعماء المعارضة على الوفد المرتقب ما يعني ضمناً أنّ موسكو باتت تقرّ بمعارضة سورية منظّمة لها كيانها وهيكلتها. وما كان لافتاً أيضاً السماح لوسائل الإعلام للمرّة الاولى بتغطية اللقاء البروتوكولي بين وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف ووفد المعارضة السورية، ما يعني أنّ هناك تحوّلاً واضحاً في العلاقة ما بين المعارضة السورية وموسكو التي حقّقت خطوة الى الأمام في تأكيد أنّ لها علاقات متساوية مع النظام والمعارضة.

أما من جهة المضمون، فإنّ اتفاق جنيف حول العقدة السورية قد حوّل مجرى التفاوض بين موسكو والمعارضة السورية ونقله من خانة محاولات الضغط للجلوس الى طاولة المفاوضات للتفاهم حول جملة إصلاحات لترميم النظام السوري، وهو ما حاولت الدبلوماسية الروسية تحقيقه منذ أكثر من 15 شهراً عند اندلاع الاحتجاجات في الشارع السوري، إلى خانة البحث عن آليات وطرق تنظيم المرحلة الانتقالية…

السؤال الأبرز: ماذا تحمل المعارضة السورية في جعبتها هذه المرة بعدما فشلت محاولاتها السابقة في تغيير الموقف الروسي قيد أنملة؟ وهل فعلاً أنّ موسكو قدّمت تطمينات للمعارضة حول نيّتها محاولة دراسة مواقفها السابقة انطلاقاً من قناعة تكوّنت لدى الطبقة الحاكمة في روسيا أنّ النظام السوري قد أضاع جميع فرص الحلّ، وأنّ جرعات الوقت لحسم المعركة على الأرض التي وفّرتها روسيا والصين خلال سنة ونصف لم تأتِ بثمارها، بل أتت بأكثر من 15 الف قتيل، وهذا ما دفع موسكو إلى إعادة قراءة المشهد السوري في محاولة للحفاظ على علاقاتها ومصالحها مع الشعوب العربية في الربع ساعة الأخيرة؟

المعارضة السورية أتت إلى موسكو بعد مؤتمرها في القاهرة الذي خلُص إلى أنّ بداية الحل السياسي تبدأ بإسقاط نظام الاسد ورموزه كافة، فماذا سمعت في أروقة الخارجية الروسية؟ أو إنّ المعارضة رفعت سقفها إلى أعلى المستويات في محاولة لتقديم تنازلات ما، تحاول من خلالها كسب الموقف الروسي المتشدّد؟ هو السؤال الذي حاولت مصادر دبلوماسية روسية الردّ عليه انطلاقاً من رؤية روسيا للحلّ، لا سيّما أنّها باتت تخاف فعليّاً من تكرار السيناريو الليبي في الشرق الأوسط نظراً إلى تداعياته على الكثير من ملفّات المنطقة التي تؤدّي فيها سوريا دوراً حسّاساً ومهمّاً ..

المصادر لم تُخفِ قلقها من أنّ جولة المفاوضات الجديدة مع المعارضة السورية لن تأتي بثمارها، لكنّها تشير إلى أنّ المعارضة سمعت موقفاً متقدّماً ورؤية جديدة للحل السياسي في سوريا، وأنّ قِوام هذا الحل يتكوّن من عدم التمسّك بالرئيس الأسد في سُدّة السلطة ولكن على أن يكون الرئيس السوري جزءاً من هذا الحلّ خلال المرحلة الانتقالية، وبذلك تكون

موسكو قد حافظت على الحد الأدنى من موقفها للحلّ في سوريا.

وحسب المصادر، إنّ الرؤية الروسية الجديدة تقترح تشكيل حكومة انتقالية تضمّ رموز المعارضة السورية في الخارج، إضافة إلى معارضين من الداخل وقيادات من حزب البعث الحاكم على أن تُعطى هذه الحكومة صلاحيات كبرى تمكّنها من قيادة البلد إلى برّ الأمان.

وتضيف المصادر أنّ روسيا يمكن أن تكون راعية لحلّ كهذا من خلال تقديم ضمانات بالتزام القيادة السورية به، وفي المقابل تحتاج روسيا الى ضمانات من الدول الداعمة للمعارضة السورية والتي وصفتها بالعربية والشرق الأوسطية والدولية ما يعني السعودية وتركيا وعواصم غربية.

وتعزو المصادر أسباب التعنّت في الموقف الروسي حيال سوريا إلى تخوّفها من ظاهرة تنحّي الرؤساء من خلال ضغوط خارجية تحسباً لعدم انتقال هذه الظاهرة الى الدول المجاورة لروسيا والتي تعاني أزمات سياسية واقتصادية واجتماعية، لذلك تؤكّد المصادر أنّ روسيا لن تقوم بالطلب من الأسد التنحّي أو من أيّ رئيس آخر تحت أيّ ظرف كان…

أمّا العقدة الإيرانية في الحل السوري فلا تثير مخاوف موسكو، إذ أكّدت المصادر أنّ الكرملين قادر على إقناع القيادة الإيرانية بضرورة إيجاد حلّ سياسي في سوريا وإن كان على أنقاض نظام البعث، وفي الوقت عينه لم تَنفِ صعوبة إقناع الإيرانيين بهذا الحل لأنّ إيران بدورها ستطلب ضمانات لمصالحها وأمنها في المنطقة، وروسيا هي الطرف الدولي الوحيد القادر حاليّاً على تقديم تلك الضمانات، ما يعني أنّ إيران ستكون أيضاً جزءاً من الحل في سوريا، وهذا ما تسعى موسكو إلى تحقيقه انطلاقاً من قناعة راسخة بأهمية وحساسية الدور الإيراني في الملف السوري…

المشهد العام للقاءات المعارضة السورية في موسكو لا يُنذر بتبدّل في مواقف الطرفين، باستثناء أنّ روسيا باتت فعلاً على قناعة بأنّ الأسد لم يعُد مؤهّلاً للبقاء في سُدّة الرئاسة، ولكن بعد هذه العقدة تبقى العقدة الأهم وهي آليات المرحلة الانتقالية في سوريا، وهذا ما تحاول موسكو أن تكون من خلاله لاعباً أساسيّاً في التسوية السورية،

وهنا يكمن مصدر التعنّت الروسي في هذا الملف.

فبعد لقاءات المعارضة السورية، خرج نائب وزير الخارجية الروسي ميخائيل بوغدانوف ليؤكّد مجدّداً أن لا صلاحية لأيّ مؤتمر دولي يُقرّر مصير الرئيس الأسد وأنّ الحل لا يمكن ان يكون إلّا عبر طاولة حوار تضمّ كافة أطياف الشعب السوري في حين نقلت وكالة انترفاكس الروسية عن مصدر رفيع المستوى أنّ موسكو مستعدّة لاستضافة محادثات جديدة للقوى الكبرى بشأن سوريا ما يعني أنّ محادثات موسكو إذا ما كُتِب لها الحياة فإنّها حسب المواقف الروسية غير قادرة على إحداث تغيير في الأزمة السورية. وفي انتظار إيجاد مخارج دولية وإقليمية وداخلية للأزمة في سوريا على ما يبدو فإنّ موسكو ستبقى على مواقفها علماً أنّ المسؤولين الروس باتوا يدركون أنّ سوريا أصبحت في خضم الحرب الاهلية، وبالتالي هذا ما دفع موسكو إلى التخلّي عن خيار بقاء الأسد رئيساً لسوريا، لكنّها إلى الآن لم تُعِد النظر بمواقفها…

المصدر:
صحيفة الجمهورية

خبر عاجل