#dfp #adsense

الدولة هي مجموع الطُرق التي لم تُقطع بعد

حجم الخط

من علامات استفحال الركود في السياسة والمعاش اللبنانيين، أنّ أكثر الدعوات التي تطلق بين الفينة والفينة لإحياء الحياة السياسية أو الثقافية، أو لتوليد حراك مدني أو مطلبي، وصولاً الى استنهاض الحركة الاستقلالية أو "استصراخ" الجماهير الاستقلالية، هي دعوات يشوبها بشكل أو بآخر طعم الركود، ولا يلبث هذا الركود أن يبتلعها، في حين تترك الحيوية للأحداث الأمنية بالدرجة الأولى، ولعادة قطع الطرق التي صارت موضة متنقلة بين المناطق والطوائف اللبنانية في الفترة الأخيرة، بحيث أن كل منطقة أو طائفة تقول مذكِّرة الأخرى "انك تمرّين من طريقي"، وبأن الطريق محلياً كان أو دولياً، ليس مشاعاً في بلد مثل لبنان، بل أن "الطريق لمن يقطعه"، عفواً، "لمن يقتطعه".

بيد ان فضل هذه الموضة لا بد ان يسجَّل: قطع واقتطاع الطرق، بنفَس مناطقي او طائفي، او اعتراضا على سياسة مناطقية او طائفية، أو الامرين في وقت واحد، يعيد التذكير بأن الدولة ليست كائناً معنوياً أو رمزياً فقط، بل هي بشكل مادي بحت مجموع هذه الطرق والاوتوسترادات والساحات والجسور والأنفاق. أما النظام السياسي فهو بالاساس نظام المواصلات على هذه الطرق، أو على الاقل لا يمكن ان يكون نظام المواصلات في أي بلد من طبيعة مختلفة عن نظامه السياسي. معيار حرية المجيء والذهاب هو في وقت واحد معيار سياسي ومواصلاتي. معيار الأمان وسلامة التنقل هو في وقت واحد معيار سياسي ومواصلاتي. الخارطة المرورية في اي بلد لا تعكس فقط مستوى تقدمه العمراني، بل تعكس بتفاوتها بين منطقة واخرى، وبترابط عناصرها او قلة ترابطها، وبمقدار فاعليتها على استيعاب الحركة المرورية، مستوى الاندماج الوطني او التفكك الوطني المحقق في هذا البلد.

وأكبر لغط يمكنه ان يقع هنا، هو الخلط بين "التظاهر" بوصفه الشكل النموذجي لممارسة حرية التعبير الجماعي، وبين "قطع الطريق" الذي هو شكل من اشكال العنف المجتمعي. التظاهر يعني ميدانيا شكلا من اشكال الحركة المرورية، حتى لو تعارض ذلك مع الحركة المرورية السيارة في وقت بعينه. اما الطريق فيكفي لقطعه نفر او نفران، وهو تدبير لقطع الحركة المرورية، اي لتعطيل السمة الاساسية لمفهوم الدولة، وهذا لا يمكن ان يبرره تعطل سمات الدولة الاخرى أيا كانت.

من هنا، فإن كان هناك في كل هذا الركود، بما في ذلك ركود "الدعوات الاستنهاضية للجماهير الاستقلالية"، ما يمكن ان يقال فهو انه لا ينفع اللجوء الى وسيلة تلغي، بمجرد اللجوء اليها، السبيل الى الغاية المنشودة. لا يمكنك ان تقطع طريق المطار بحجة انها طريقة لإحراز الدولة القوية القادرة، ولا ان تقطع الطريق الى الجنوب او في الشمال لاستعادة التوازن او لاستعادة السيادة، ولا ان تهدد بقطع اوتوستراد لانجاز نفق. ليس ذلك لأن للدولة هيبة، بل لأن الدولة هي قبل كل شيء مجموع الطرق. ليست "الدولة" قائمة في برزخ آخر، للابحار اليها لا نعرف كيف. الدولة هنا، تزدحم بنا، وتفصل بيننا، وتؤمن مرورنا بين بعضنا البعض. انها مجموع الطرق. هي اذاً، في حال لبنان، مجموع الطرق التي لم تقطع والتي لم تهدّد بالقطع بعد.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل