#dfp #adsense

إستهداف المسيحيين وغطاء سليمان وجنبلاط للحكومة

حجم الخط

في الوقائع، يمكن الحديث عن محاولتي اغتيال، الأولى استهدفت الدكتور سمير جعجع والثانية النائب بطرس حرب، وما بينهما تمّ نشر لوائح تضمّنت بعض الأسماء المستهدفة، وفي طليعتها الرئيسان نبيه بري وفؤاد السنيورة وغيرهما. ومن المرجّح أن يكون الهدف من وراء تعميم هذه اللوائح، وهي حقيقية لا وهمية، نشر الترويع والتخويف والترهيب، لكن من دون أن يُصار إلى ترجمتها باغتيالات سياسية على أرض الواقع، لا سمح الله، وذلك للأسباب الآتية:

أوّلاً، أيّ متابعة لكيفية معالجة الحكومة التابعة لـ"حزب الله" والحزب نفسه، أحداث طرابلس ومن ثم عكّار وأخيراً اعتصام الشيخ أحمد الأسير تؤشّر إلى مدى الحرص على استيعاب هذه الأحداث لا الاصطدام مع أصحابها خشية من أن تكون سبباً لاشتعال الفتنة السنّية – الشيعية.

ثانياً، أيّ متابعة لسلوك الحزب منذ لحظة إدراكه أنّ نظام حليفه السوري يتّجه إلى الانهيار تؤشّر إلى مدى حرصه على استبعاد التشنجات المذهبية، ودفعه بواسطة الرئيس بري إلى إعادة إحياء الحوار لتبريد المناخات داخل البيئة السنّية، ولكن طبعاً من دون أن يُقدّم، لغاية هذه اللحظة، تنازلات جدية تتّصل بتشكيل حكومة تعكس توازنات البلد الحقيقية، هذه الخطوة التي لا شكّ أنّه بات يقترب من الوصول إليها في حال عجزه عن تغيير المعادلات بالقوّة خشية من انزلاق الأوضاع إلى صدام في الشارع.

ثالثاً، أيّ متابعة لمواقف "حزب الله" تؤشّر بوضوح إلى أنّه ليس بوارد التسليم بالهزيمة التي ستنجم عن انهيار النظام السوري وتداعياته على الوضع اللبناني، لا بل يعمل على وضع الخطط البديلة التي تخوّله مواصلة دوره الإقليمي والاحتفاظ بترسانته العسكرية، الأمر الذي يؤكّد بأنّ المطلوب هو عدم تمكين قوى 14 آذار من الاستفادة من المتحوّل السوري، ولكن بأقلّ كلفة ممكنة، وذلك عبر طريقتين:

أ- النيل من مسيحيي 14 آذار لنقل الوزن إلى مسيحيي 8 آذار، وبالتالي الفوز في الانتخابات ومواصلة الإمساك بمفاصل السلطة، فضلاً عن إضعاف تيّار "المستقبل" الذي مع إضعاف شريكه المسيحيّ ينجرّ إلى تنازلات سياسية.

ب- جعل البلد بكلّ مكوناته المسيحية والإسلامية نسخة مكرّرة عن "حزب الله"، أي الدفع نحو عسكرة الطوائف وإحياء الهواجس داخلها لتصبح صورتها أقرب إلى صورة الحزب، بدلاً من أن يشكّل سقوط خطّه السياسي المرتبط بمحور الممانعة مناسبة للبننته وجعله يشبه البلد وأهله.

رابعاً، إنّ اغتيال أيّ شخصية سنّية يؤدي إلى تحويل الصراع مباشرة إلى الشارع، فيما اغتيال شخصية مسيحية تنحصر تداعياتها بخضّة سياسية وموجة من الاستنكارات على أبعد تقدير، لا بل تنجح في خلق مناخ من الرعب والتخويف والإحباط الذي يجرّ المسيحيين إلى التسليم بالأمر الواقع، وبالتالي اغتيال أيّ شخصية مسيحية أشبه بالقنبلة الصوتية. ومن هنا التركيز على المسيحيين لتغيير المعادلة أو تأبيد الأمر الواقع بأقل خسائر ممكنة.

خامساً، لا شكّ في أنّ محاولة الاغتيال الأخيرة فعلت فعلها في تحذير كلّ من تُسوّل له نفسه من قوى 8 آذار التفكير في إعادة نقل البارودة من كتف إلى كتف، هذه النقلة التي ستكون كلفتها غالية على أصحابها. فالرسالة بهذا المعنى كانت مزدوجة: إلى 14 آذار بأنّه لن يسمح لهم بالعودة إلى السلطة، وإلى "التيار الوطني الحر" بأنّ مصيره لن يختلف عن مصير 14 في حال بدّل توجّهاته. وليست مصادفة عودة "التيّار" بسحر ساحر إلى أدبياته وانتظامه تحت سقف الحزب.

سادساً، يُشكّل حرب عائقاً نيابياً أساسياً في البترون، إذ لا يعقل أن يكون وريث التيار فاقداً للمشروعية في منطقته، فضلاً عن أنّه مرشح رئاسي محتمل في مواجهة العماد ميشال عون، وبالتالي إزاحته تشكّل حاجة ومطلباً، ولكن هذا لا يعني أنّ التيار الوطني هو وراء عملية الاغتيال أو يسعى إليها، إلّا أنّ ثمة من يقول للتيار إنّه ما زال قادراً على توفير ظروف نجاحه وإنّ من مصلحته التمسك بتحالفاته.

سابعاً، يُشكّل جعجع بيضة القبان في تحالف 14 آذار وإزاحته من المعادلة يعني ضرباً لهذه المعادلة من أساسها، وترجيح كفّة 8 آذار لردح من الزمن.

هذا في محاولات الاغتيال والدوافع الكامنة خلفها والتي تؤكّد يوماً بعد آخر أنّ التمسّك بالحكومة الراهنة من أهدافه إبقاء الخلل في التوازن قائماً، لا بل ترسيخه عبر محاولات الاغتيال، فيما تغيير الحكومة يُعطي إشارة أنّ قوى 8 آذار لديها الرغبة في التكيّف مع المتغيّرات الحاصلة وتصحيح الخلل الناجم عن الانقلاب الحكومي، خصوصاً أنّ استمرار هذا الخلل مع تقدّم المشهد السوري وتبدّل موازين القوى يمكن أن يجرّ إلى انفجار في لبنان، وبالتالي التغيير الحكومي بات أكثر من مُلحّ، ومن هنا يصبح التساؤل عن الدور الذي يؤدّيه كلّ من الرئيس ميشال سليمان والزعيم وليد جنبلاط مشروعاً.

فمواقف الرجلين، ومنذ فترة، تتعارض جذرياً مع قوى 8 آذار ليس فقط من باب الأزمة السورية، إنّما أيضاً في الملفّات الداخلية، والموقف الأخير لجنبلاط في موضوع الاغتيالات وانتقاد طريقة معالجة قضية الشيخين وتوجيهه التحية إلى القاضية دكروب التي اعترضت على تخلية سبيل أحد المتورطين في الاعتداء على قناة "الجديد"، فضلاً عن موقف وزرائه في الحكومة من داتا الاتّصالات إلى القضايا المنوّه عنها، كلّ هذه العناصر وغيرها تدلّ أن الرجل بات في مكان آخر تماماً.

وعليه، ثمّة مسؤولية كبرى ملقاة على سليمان وجنبلاط، لأنّ استمرارهما في الحكومة يرتّب عليهما مسؤولية تغطية أعمالها، خصوصاً تشريع القتل برفضها تسليم الداتا وغيرها من المسائل الحسّاسة، فضلاً عن أنّ مَن غطّى قيامها، ولولاه لما كانت قامت أو تشكّلت، عليه سحب الغطاء منها.

المصدر:
صحيفة الجمهورية

خبر عاجل