ان اهم ما تتمتع الدول والحكومات المجسدة لفكرة ارادة المحكومين: سيادتها في شقيها الداخلي والخارجي. وحكومة "كلنا للوطن كلنا للعمل" كما سماها الرئيس نجيب ميقاتي تثبت يوما بعد يوم ان في الداخل او على الصعيد الخارجي تنازلها عن تلك السيادة، لا بل تنازلها عن حق الشعب في سيادته وذلك من خلال ثلاث مخالفات دستورية وسياسية:
1- تنازلها عن حصرية السلطة في الداخل وقبولها بتقاسمها مع سلاح غير شرعي.
2- تنازلها عن ممارسة حماية لاراضيها في وجه الاعتداءات الخارجية.
3- تنازلها عن ممارسة اختصاصاتها الاقليمية على اساس ان الدولة 3 اركان: ارض وشعب وسلطة.
وهذا الامر يجعل من الدولة والحكومة زراعها التنفيذي وسلطتها التنفيذية بموجب الدستور فاقدة السيادة وفي احسن الاحوال ناقصة تلك السيادة.
القسم الاول: تنازل الحكومة الفاضح عن سيادة الدولة اللبنانية الداخلية
اولا: سمو الدولة اللبنانية بحصريتها السيادية وخاصة الامنية:
السيادة الداخلية في المفهوم الدستوري تعني بداية ان لا سلطة اعلى من سلطة الدولة او موازية لها – فهي تسمو فوق الجميع وتفرض نفسها على الجميع (راجع GEORGES BURDEAU – DROIT CONSTITUTIONNEL ET INSTITUTIONS POLITIQUES – LGDJ- PARIS – PAGES 14 et suivantes): فأين نحن اليوم من مثل هذه السيادة الدستورية والقانونية في حكومة الانقلاب الدستوري والقمصان السود؟
دولة وحكومة ترتضي كل يوم ان يعلوها سلاح غير شرعي – وان يذهب الى حد اعتبار هذا الاخير نفسه وصياً على السلاح الشرعي للدولة كما جاءت مواقف حزب "السلاح غير الشرعي" ابان حادثة العديسي – والتي تأتي اليوم لتدعم هذا التوجه بعض الصيغ المسربة لاستراتيجيات دفاعية تعتبر السلاح غير الشرعي مساندا لسلاح الدولة عند اي عدوان – بدل ان يكون كل السلاح وان تكون كل القوة بيد الدولة وسلطات الدولة وسلاح الدولة.
فالسيادة في سلطة الدولة هي سلطة اصلية لا تستمد اصلها من اي سلطة اخرى وخصوصا سلطة امر واقع – ما يعني ان كافة الهيئات الادارية والمرفقية والعسكرية والامنية الموجودة في الدولة والتي تخضع لسلطة مجلس الوزراء بموجب الدستور اللبناني – لا تستمد سلطانها الا من السلطات العليا في الدولة.
ثانياً: وحدة الدولة اللبنانية السيدة وتقاسم الاختصاصات لا السلطات:
السيادة تعني في ما تعنيه دستوريا وقانونيا – ان سلطة الدولة وحدة لا تتجزأ وغير قابلة للتجزئة – وبالتالي فإن تعدد السلطات الحاكمة في الدولة – كرئاسة الجمهورية – والحكومة والبرلمان والقوات المسلحة والقضاء – لا يعني تقاسم السلطة في ما بينها لا بل تقاسم الاختصاصات في ما بينها خصوصا في ظل اعتماد الدستور في مقدمته مبدأ الفصل بين السلطات (الفقرة ه من مقدمة الدستور) – ما يعني عملياً ان تقاسم الاختصاصات لا يعني استقلالية كل سلطة في ذاتها عن الاخرى – وبالتالي لا يمكن ان تكون القوات المسلحة (جيش وقوى امن ومخابرات وامن عام …) على سبيل المثال الا تابعة مباشرة لسلطة الدولة الممثلة عبر مجلس الوزراء بموجب المادة (65) من الدستور – ولا تشكل تلك المؤسسات العسكرية والامنية والمخابراتية الا جزءا من الدولة ومن سيادة الدولة – ما يستتبع دستوريا اعتبار ان السيادة تعني ان وحدها سلطة الدولة هي الامرة العليا فتستطيع وحدها وهي الوحيدة المخولة – بفرض ارادتها على الاخرين بافعال تصدر من طرفها وحدها وتكون قابلة للنفاذ اي من دون موافقة المحكومين.
ثالثاً: اوجه وحالات تنازل الدولة اللبنانية والحكومة عن حصرية سيادتهما الدستورية الداخلية:
انطلاقا من الملاحظات الدستورية والقانونية اعلاه نسجل الاتي:
1- ان الدولة التي ترتضي لنفسها بأن لا تكون السلطة العليا الوحيدة هي دولة تخالف مبدأ السيادة الداخلية ومبدأ انها السلطة العليا الوحيدة والتي لا يعلوها ولا يوازيها اي سلطة اخرى. والحالة هذه اين الدولة اليوم وحكومة اكثرية القمصان السود من هذه القاعدة وهي التي باتت خاضعة كليا لتحكم قرار حزبي من فئة لبنانية – مهما كانت – في قراراتها ومصيرها وسياساتها واخر تجليات هذا التحكم فضيحة جلسة التصويت على قانون المياومين؟ كي لا ننسى القرار المحوري الايراني – الاسدي بعدم السماح بسقوط الحكومة الحالية وتولية "حزب الله" مهام عدم السماح بهذا السقوط تحت تأثير السلاح وترهيبه في وجه من يطالب بعكس ذلك.
2- ان الدولة التي تستمد اصلها وبقاءها كما وجودها من سلطة اخرى على ارض الواقع – او سلطة امر واقع متخلية عن اصالتها لحساب فريق او حزب فئوي مهما على او تدنى شأنه – لا تعود سلطة ذات سيادة ولا دولة ذات سيادة داخلية ولا حكومة سيدة على نفسها وامرها – وبالتالي يقع الخلل الدستوري والقانوني والسياسي بالتركيبة الحاكمة في البلاد خاصة في بلد التوازنات الطائفية والوطنية كما في لبنان، وتصبح الدولة والحكومة واجهزة الحكم ادوات بيد فئة ولحساب فئة ويخرق بالتأكيد الفقرة الاولى من مقدمة الدستور التي تتكلم عن وطن سيد نهائي لجميع ابنائه وحدة الارض والشعب والمؤسسات.
فكيف تتجسد نهائية الوطن دستوريا ووطنيا عندما تكون الدولة لفريق على حساب اخر؟ لا بل كيف تتجسد سيادة الدولة والوطن عندما لا يكون للشعب اللبناني برمته الحق بأن يعبر عن سيادته عملا باحكام الفقرة (د) من مقدمة الدستور التي تشير الى ان الشعب مصدر السلطات وصاحب السيادة يمارسها عبر المؤسسات الدستورية؟
فأي مؤسسات دستورية تحتضن تلك السيادة الشعبية اذا كانت حكومة واجهزة الحكم في السلطة العليا انقلبت على ارادة الشعب واسقطت بقوة السلاح غير الشرعي وبسكوت اجهزة الدولة والسلطة العليا (كي لا نقول اكثر) واطاحت بسيادته بإتيانها بحكومة جل اهتمامها وخطها العام الخضوع الكلي وغير المشروط لارادة محور طهران – دمشق – المتمثل في لبنان بـ"حزب الله" وحلفائه في "8 اذار"؟
3- الدولة التي لا تتجزأ في سلطتها كونها وحدة غير قابلة دستوريا وقانونيا وسياسيا للتجزئة، كيف يمكن ان تقبل ان تعمل بعض اجهزتها الامنية (كالامن العام مثلا ) بمعزل عن سلطانها العام وبمعزل عن توجهات الدولة وسلطاتها كما فعلت وتفعل في توقيف الناس والقبض عليهم بطرق ملتبسة – وصولا الى تغطية ما حصل في البقيعة أخيرا على الحدود وتبرير الخرق العسكري السوري للارض اللبنانية والسيادة اللبنانية الخارجية وخطف عنصرين من الامن العام الى الداخل السوري – في وقت كانت للسلطات العليا في الدولة مواقف مختلفة وهي بموجب الدستور السلطة العليا التي تخضع لها القوات المسلحة (المادة 65 من الدستور)…؟
لا بل كيف يمكن لدولة ذات سيادة داخلية لا تتقاسم السلطة بل فقط الاختصاصات ان يكون لوزير خارجيتها سياسة خاصة به لا تعبر عن سياسة وتوجهات الحكومة والسلطة العليا في الدولة على مساوئها كما بدعة النأي بالنفس في وقت كافة تصاريح حكومته ورئيسها ورئيس الجمهورية تنحو بمناح مختلفة …؟ (واثبتت الايام بأن بدة النأي بالنفس لا تعدو كونها طريقة احتيالية لمنع اللبنانيين من دعم ثورة الشعب السوري انسانيا واعلاميا فيما مسموح لفريق "حزب الله" المتحكم بالدولة وقرارات الحكومة ان يدعم سياسيا واعلاميا وميدانيا وعسكريا – نظام بشار الاسد)
4- والدولة التي لا تستطيع فرض ارادتها على الاخرين في الداخل بافعال تصدر من طرفها وحدها قابلة للنفاذ – بدءا من عجزها في بسط سلطتها على كامل التراب اللبناني كما نصت على ذلك وثيقة الوفاق الوطني في الطائف (الفقرتان ثانيا وثالثا ) بفعل وجود بؤر امن ذاتي لسلاح غير شرعي سواء في مناطق نفوذ "حزب الله" وحلفائه او في مناطق وجود السلاح الفلسطيني المتفلت من السيادة اللبنانية كما هو واقع مخيمات الجبهة الشعبية وسواها من منظمات غير شرعية لبنانية وغير لبنانية…
5- الدولة التي لا تستطيع الا السير في منطق الامن بالتراضي والتساهل مع السلاح غير الشرعي لبسط امن هش يراعي هيبة الاخرين على حساب هيبتها الدستورية والقانونية والشرعية والمشروعة… والدولة التي تميز في التعامل بين مواطنيها وفئات المجتمع السياسي بما يخالف مبدأ دستوري تكلمت عنه الفقرة (ج) والمادة (7) من الدستور لجهة المساواة في الحقوق والواجبات بين جميع المواطنين من دون تمايز او تفضيل وتمتعهم بالسواء بالحقوق المدنية والسياسية وتحملهم الفرائض والواجبات العامة دونما فرق بينهم – فتأتي تلك السلطة العليا في الدولة وعلى سبيل المثال لا الحصر – لترتضي وجود ترسانات سلاح خطيرة ومدمرة وغير شرعية في ايد فريق من اللبنانيين مجهزة لتنفيذ اجندات خارجية وليس لحماية لبنان من الاعتداءات الاسرائيلية المحتملة – في نفس الوقت الذي فيه تضطهد تلك السلطة العليا وتعاقب وتلاحق فريق اخر بصرامة وضراوة ان وجدت لديه قطع سلاح فردي او متوسط او ما شابه للدفاع عن النفس امام تراخي الامن ووظيفة السلطات الامنية والعسكرية الشرعية وتواطؤ بعضها ومهادنة البعض الاخر، هذه الدولة لا يمكنها ان تكون عادلة ولا ان تفرض هيبتها على الجميع ولا ان تقنع اللبنانيين بتوازنها وسيادتها…
دون ان ننسى التساهل في تطبيق القوانين والنظام وغياب هيبة الدولة في مناطق ومربعات امينة تحت شعار "المقاومة " الزائف والذي تخطته الحوادث والوقائع وحقائق الصراع اللبناني الداخلي منذ 2006…
التمرد على قرارات الدولة وسياساتها الضريبية وتمييز مناطق السلاح غير الشرعي بمعاملة متميزة عن سواها من مناطق لبنانية… والتعديات المتكررة على القوى الامنية ومنع الدولة من دخول البؤر الامنية كما اقر بذلك الوزير جبران باسيل بنفسه بالامس بخصوص منع فرق اصلاح الكهرباء من دخول الضاحية الجنوبية … كلها ظواهر وحقائق ان دلت على شيء فعلى تواطؤ وتنازل قسم من السلطات العليا في الدولة والحكومة في طليعتها عن ممارسة سيادته على الداخل اللبناني…
وبالتالي،
ان الدولة اللبنانية والحكومة الحالية تخلت عن سيادتها الداخلية قانونا وباتت في وضع اصطفاف الى جانب فريق لبناني ووجهة نظر فريق لبناني في مواجهة فريق لبناني اخر – ما يجعل السلطة الدستورية في لبنان قانونياً ودستورياً سلطة لا سيادية وناقصة السيادة الداخلية في توصيف القانون والدستور.
يتبع القسم الثاني: تنازل الحكومة الفاضح عن سيادة الدولة اللبنانية الخارجية