كتب فيديل سبيتي في "المستقبل":
يصف البعض هذه الحكومة بأنها حكومة "حزب الله"، وهذا فيه بعض الصحة ولكنه ليس صحيحاً تماماً. فهي حكومة "حزب الله" بالمعنى الانقلابي أي التي خطط لمجيئها وتركيبها وتوزيع الحصص فيها، قبل أن يتركها مع وزرائه لتقلّع شوكها بيديها، وتسقط من حفرة إلى هاوية، وذلك لأن الحزب متفرّغ الآن لمكانين أكثر أهمية من الحكومة ووزاراتها ومشاكلها و"القلقلة" التي تطاولها كل فينة، إنه الآن متفرّغ للنظر في ما يحدث في داخله، وفي داخل الطائفة التي كانت قد "بصمت له بالعشرة" ثم فجأة صارت هذه العشرة تنقص، لأسباب كثيرة سنأتي على ذكرها.
أولاً، لا بد من الحسم بأن "حزب الله" يملك شبكة اجتماعية وثقافية ومالية في المناطق التي يسيطر عليها، أقوى من الشبكة التي تفردها الحكومة اللبنانية، هذا إذا لم يكن هو بدوره مسيطراً على الشبكة تلك أيضاً، فيدير شبكتين، واحدة حزبية وواحدة حكومية عبر الموظفين والبلديات والجمعيات… إلخ. ولإيضاح قوة هذه الشبكة يمكن أخذ بلدة متوسطة الحجم عدد سكانها عشرة آلاف نسمة، وقد تكون هذه البلدة في الجنوب أو البقاع.
يقوم الحزب في البلدة بتأمين مداخيل مالية لعوائل الشهداء وللأرامل في البلدة إن لم يكن شهرياً ففي مدد تطول وتقصر. ثم يقوم بتأمين التعليم والتأمين الصحي لعائلات المنضوين فيه، ثم بعد حرب تموز قام بتدريب عدد كبير من الشبان الذين ليسوا من ضمن أطر الحزب بل وربما من غير المقرّبين منه، على حمل السلاح مقابل مبالغ مالية شهرية تمكّن الشاب المتدرب من أن يطرد شبح البطالة، وإذا أضفنا إلى هذه التقديمات ما تقدّمه البلدية التي يسيطر عليها الحزب، يمكن الاستنتاج بأن الحزب يسيطر على البلدة بأكملها من بابها إلى محرابها. هذا من دون أي موقف سلبي أو إيجابي من هذه التقديمات.
لكن هذه البلدة التي هي مثال عن مئات البلدات في الجنوب والبقاع تدلّل على مدى قدرة الحزب على إمساك الطائفة من خناقها، حتى يصير مَن يضطر إلى الاستغناء عن تقديمات الحزب متروكاً للبحث عن مصدر رزق ولكن بلا طائل كما هي حال كثير من أصحاب الأعمال والحرف المناهضين للحزب والذين يوصي الحزب بعدم التعامل معهم.
هذه "الكماشة" التي يضع الحزب فيها جمهوره راحت تتراخى بضغط من الجمهور نفسه بعد حرب تموز لأسباب كثيرة، أولها أن الأموال الطائلة التي تم توزيعها على المتضررين من الحرب الساحقة والمدمرة وزعت بأكثرها على عناصر الحزب ومؤيديه المباشرين، حتى بدا الثراء على هؤلاء إلى درجة أنه أشيع بأن الأمين العام للحزب اجتمع بقياداته من الصفوف الأولى والثانية، وسألهم: "متى كانت نساؤكم وبناتكم يقدن سيارات الدفع الرباعي؟". ويقال إن عمليات تنافس كبيرة جرت داخل صفوف الحزب من جراء الواردات المالية الضخمة، وكما هو معروف "المال مفسد كما السلطة". ولكن في كل الأحوال هذه الحالة أثارت امتعاض الجنوبيين المؤيدين للحزب وغير المنضوين في أطره الحزبية، خصوصاً في القرى والبلدات التي تتحوّل فيها الحساسيات فجأة من سياسية إلى عائلية وأهلية محلية.
هذا اندفاع أول نحو المراجعة الداخلية. والثاني كان بعد اكتشاف عدد من المتعاملين مع المخابرات الأميركية في صفوف الحزب، وبعض المتعاملين مع "الموساد" من المقربين منه، وكان السيد حسن نصرالله قد أعلن الأمر في إحدى خطبه، إضافة إلى اتهام أعضاء من الحزب باغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري، بغضّ النظر عن موقف الحزب نفسه من هذا الاتهام طالما أنه بات أمراً واقعاً على الأقل بالنسبة لجمهور المترددين. هذا سبب ثانٍ للاندفاع نحو المراجعة الداخلية، أو للانكفاء نحو الداخل. أما السبب الثالث فهو الأحداث في سوريا، التي وضعت "حزب الله" في زاوية لا مناص منها: الحياد اللبناني، والتفرّج على انهيار حليف أول، خصوصاً وأن الحزب كان من أول مشجعي الثورات العربية قبل أن تنتقل إلى سوريا. بدا الأمر وكأن علبة "باندورا" قد انفتحت فجأة وخرج منها كل ما لم يكن متوقعاً.
رد الطائفة
لكن الجمهور الحزبي الممتعض بعد حرب تموز ثم بعد تعويضاتها المجحفة، فوجئ بمدى هشاشة الحزب في العمل السياسي داخل الحكومة، فهو الذي عمل مطولاً من العام 2005 للاستيلاء على الحكومة لجعلها من لون واحد، سواء بالقوة أو باستخدام "الثلث زائد واحد"، بعد استقالة وزراء الحزب من حكومة الرئيس السنيورة سلماً، ثم بعد "غزوة 8 أيار المبجلة" لمدينة بيروت، ثم أخيراً بعد الاستقالة من حكومة الرئيس سعد الحريري. وبعدما تحقق له ما أراد مع حلفائه، أظهر قلة دراية في إدارة أمور البلاد والعباد ومنهم جمهوره الذين هم كما غيرهم من اللبنانيين بأمسّ الحاجة إلى تأمين الخدمات الاجتماعية لهم، وتحسين عيشهم وتأمين عمل لأبنائهم. ولكن ما حصل كان العكس تماماً، كان الحزب يحشر خلفه الطائفة بأكملها بعد كل تهديد أمني أو سياسي لأنداده من اللبنانيين، ثم أن الخدمات الاجتماعية صارت في أسوأ حالاتها، من الكهرباء إلى الماء، وزادت حدة البطالة والفقر ولم يأتِ المغتربون الشيعة الكثر من مغترباتهم إلى لبنان بسبب الحالة السياسية والأمنية التي تعيشها البلاد في ظل هذه الحكومة "الحزب إلهية"، لذا يمكنك أن تجد مدينة كصور أو النبطية أو بنت جبيل أو قرى وبلدات إقليم التفاح وكأنها مدن أشباح بعدما كانت تمتلئ بالزوار في كل صيف ممن يساهمون في تحسين أوضاع أهلها المقيمين اقتصادياً ويدعمون عائلاتهم مالياً من أموال الاغتراب التي يجلبونها معهم.
عود على بدء
كان رد الجنوبيين واضحاً في الانتخابات البلدية الأخيرة. حاول الحزب الحصول على أكبر عدد من البلديات بالتزكية، فلم يحصل إلا على قلة قليلة جداً منها، فقد أراد أهالي البلدات خوض المعركة، ثم أن نسبة المقترعين للحزب تدنت بشكل دراماتيكي عن الانتخابات السابقة وتصاعدت نسبة المصوتين للتيارات الليبرالية أو للمستقلين أو للعائلات بشكل كبير. عند هذه النقطة عاد الحزب إلى الطائفة ليعيدها إلى كنفه كما من قبل. فازداد التشديد على المظاهر الدينية عموماً، وجرت التعبئة السياسية للطائفة "المهددة"، وتم إرجاع فشل الحكومة هذه إلى ما قامت به الحكومات السابقة. لكن ما جرى ويجري مع الحزب يشبه قصة الراعي الذي ما عاد يصدقه أهل البلدة كلما هددهم بالذئب، فالجنوبيون كغيرهم من اللبنانيين يبحثون عن حياة كريمة آمنة، وهم غير مستعدين أن يدافعوا عمن لا يمنحهم كلا الأمرين، ومراجعة تاريخية منذ "الأسعدية" مروراً بالفلسطينيين ثم الحركة الوطنية ثم حركة "أمل"، تؤكد هذا الأمر.
صحيح أن هذه حكومة "حزب الله"، لكن الحزب في هذه الأيام منصرف عنها تجاه جمهور يبدو أنه ليس من السهل استرضاؤه.