سارع أكثر من مسؤول ونائب في «حزب الله» في الساعات الماضية إلى توجيه رسائل لمن يعنيهم الأمر تؤكّد أنّ العلاقة مع رئيس تكتل «التغيير والإصلاح» النائب ميشال عون تحالفية واستراتيجية، «ولن يهزّ تفاهم مار مخايل أيّ خلاف أو تباين سياسي»، وقد ردّ عون على هذه الرسائل قائلاً إنّ علاقته بالأمين العام لـ«حزب الله» السيّد حسن نصرالله استراتيجية، وإنّ وظيفة سلاح المقاومة لا تزال قائمة وضرورية.
ومردّ هذه "البرقيّات" المتبادلة قطع الطريق على ما قيل من أنّ عون "بات خارج تفاهم مار مخايل"، وحتى إنّه نفسه هو من قال إنّه بات في حلّ عن "حزب الله" في الأمور الداخلية، في الوقت الذي قال الوزير جبران باسيل إنّه "لا يمكن المزج بين الفساد والمقاومة"، وإن كان ذلك، بحسب المواكبين لما يجري، قد أزعج "حزب الله" الذي عاتب باسيل على هذا الكلام.
أمّا ماذا حصل، فتقول أوساط تواكب مجريات الأوضاع، إنّ الخرق الأوّل لإعادة الأمور إلى نصابها، كان عبر لقاء الحاج وفيق صفا وباسيل، حيث جرى عرض مستفيض لكلّ ما حصل، وسط عتاب متبادل، وفي الوقت نفسه تأكيد استمرار التحالف، وعُلم في هذا الإطار أنّ صفا نقل كلاماً حرفيّاً عن السيّد نصرالله، يؤكّد فيه أنّ علاقته مع عون خط أحمر، وتفاهم "حزب الله" و"التيار العوني" لا تقوى عليه الأعاصير، ولن يسمح بإضعاف عون وتيّاره، وسيكون إلى جانبه في مجلس النوّاب والحكومة "ومن يعِش يرَ".
وتشير المعلومات أيضاً إلى أنّ الزيارة العلنية لوفد رفيع من الحزب إلى الرابية باتت متوقّعة في أيّ لحظة، في حين أنّ اتصالات أخرى تجري لتضميد الجرح الآخر بين عون ورئيس المجلس النيابي نبيه برّي الذي كان واضحاً في التعبير عن استيائه من الكلام الذي قاله في حقّه عون ونوّابه وقياديّو التيّار، واعتبره ذا طابع طائفي وغير مقبول.
ومن هنا عُلم أنّ "حزب الله" يسعى الى سلّة واحدة ضمن إعادة ترتيب البيت الحكومي والعلاقة الشيعية، إذا صحّ التعبير، مع عون، وعلى هذه الخلفية يعمل الحزب للتهدئة بين عين التينة والرابية، والتمنّي على الحليف العوني عدم مهاجمة برّي، آخذاً على عاتقه دعم التيار داخل الحكومة في مسألة التعيينات بشموليتها، ولا سيّما مشاريع وزراء عون وتحديداً باسيل.
أمّا لماذا يجهد "حزب الله" للتهدئة وتطييب خاطرعون، فتقول الأوساط إنّ الحزب سينزل إلى الأرض لخوض معركة بقاء الحكومة وعدم استقالتها، في اعتبارها حاجة داخلية وسوريّة في هذه المرحلة، وهي أكثر من ضرورية على المستويين المحلّي والإقليمي، وسقوطها يعني خسارة مباشرة للحزب كونه هو من جاء بها ومن أسقط حكومة الرئيس سعد الحريري، وفي حال رحيلها أيضاً يستحيل على "حزب الله" التحكّم بمسار الأكثرية، أو حتى استمرارها، وهو يدرك أيضاً أنّ النائب وليد جنبلاط يقرأ جيّداً، بخلاف عون، ولذا يعتبر سيّد المختارة من المتشدّدين لبقاء الحكومة، حتى إنّه هاجم فريق 14 آذار الذي ينادي بإسقاطها، وبالتالي فإنّ الحزب بحاجة إلى عون غطاءً مسيحيّاً يشكّل له موقعاً مهمّاً في مناوراته السياسية، في ظلّ اصطفاف سائر المسيحيّين الآخرين ضمن قوى 14 آذار، وفي المقابل يقول بعض نوّاب 14 آذار إنّهم تمنّوا على زملائهم في هذا الفريق عدم "تعويم" عون بعد الجلسة التشريعية الأخيرة "لأنّه يقوم بدور يلعبه دوماً عندما يكون محشوراً، وغالباً في مرحلة الانتخابات النيابية، لإعادة إنتاج شعبية يفتقدها تدريجاً، وخصوصاً جرّاء سيره ضمن أجندة "حزب الله" والنظام السوري، ولهذه الغاية مشى في الإطار الذي يدغدغ مشاعر المسيحيّين، كما كانت حاله عام 2005، وإن اختلفت الظروف الآن".
من هنا فإنّ "حزب الله"، ووفق معلومات وثيقة، مرتاح إلى تماسك الرئيس نجيب ميقاتي في استمراره على رأس الحكومة، من دون أن ينهار أمام الضغوط التي يتعرّض لها، وتحديداً على المستوى السنّي، لا سيّما بعدما طمأنه الحزب أنّه إلى جانبه، وهذا الموقف ينسحب بدوره على جنبلاط الداعم أيضاً للحكومة، وبمعنى آخر فإنّ كلّ المؤشّرات تؤكّد استمرار عون في الحكومة، على أن يُترك له هامش المناورة مسيحيّاً.