كتب حسن شلحة في صحيفة "اللواء":
تبين من الأسلوب الذي سلكه رئيس الحكومة نجيب ميقاتي لدفع حصة لبنان من تمويل المحكمة الدولية عن عام 2012 والبالغ حوالى 27 مليون يورو، أن الرئيس ميقاتي بات يتقن فن الحلول السلسة وفقاً لقاعدة أن السياسة هي فن الممكن.
فقد استطاع أوّل أمس لدى مناقشة مجلس الوزراء بنود الموازنة أن يتخطى البند (32) المخصص لتمويل المحكمة الدولية بسهولة ويسر، وباجراء لافت للانتباه بشدة، وذلك خلافاً للعام الماضي حيث أثير حول بند التمويل وقبل استحقاقه بشهور جدل واسع بين قوى المعارضة من جهة وبين «حزب الله» وتيار عون من جهة ثانية، وصولاً إلى الحل الذي توصل إليه التشاور وقتها بين الرئيسين نبيه برّي ونجيب ميقاتي وهو الدفع عبر أموال هيئة الإغاثة، وهي هيئة حكومية رسمية، ومن ثم قيل أنه تمّ تغطية المبلغ لهيئة الإغاثة من المصارف اللبنانية، ولكن أوّل أمس كان «المخرج» مختلفاً فالرئيس ميقاتي أبلغ مجلس الوزراء أنه حوّل وفقاً لصلاحياته المبلغ المتوجب على الدولة اللبنانية من احتياطي رئاسة الحكومة قبل ساعات من عقد اجتماع مجلس الوزراء، وإنه على الوزراء عدم مناقشة الموضوع لأن التمويل تمّ، وأصبح المبلغ في لاهاي، وبالتالي لا داعي لوضع بند في الموازنة خاص بتمويل المحكمة.
رأى مصدر سياسي أن الرئيس ميقاتي عبر هذا الإجراء نجح في إبعاد حكومته عن الخلافات والتجاذبات التي كانت تنتظرها فيما لو لم يقدم على هكذا إجراء. فالحكومة لا تنقصها خلافات ولا متاعب ولا انقسامات، فهي تعيش حالات من الانقسام الداخلي في صفوفها حول العديد من العناوين، ولذلك ما اقدم عليه سواء كان «ترتيبه» منفرداً أم بالمشاركة مع آخرين فهذا الإجراء يسجل له وليس عليه، فمن أولى مهامه كرئيس للحكومة إنقاذ حكومته من «المطبات» وإبعادها عن كل ما يعيق عملها في داخل مجلس الوزراء وكذلك في الشارع.
هذا فيما رأى مصدر آخر أن هكذا خطوة لم تجد من وزراء «حزب الله» وحركة «أمل» وعون أية اعتراض أو تحفظ، وأن الإجراء أثناء المناقشات لم يستغرق أكثر من دقيقة واحدة، يعني أن هؤلاء الوزراء كانوا على علم مسبق بإجراء التمويل، وأن ما حصل من تمويل للمحكمة كان بأموال الدولة (من احتياطي رئاسة الحكومة) فالقضية لديهم ليست فقط عدم وضع بند في الموازنة خاص بتمويل المحكمة، فجوهر الخلاف ان هؤلاء الوزراء منذ اتهام النيابة العامة في المحكمة الدولية لأربعة مسؤولين في «حزب الله» بارتكاب جريمة قتل الرئيس رفيق الحريري أخذ هذا الفريق الثلاثي قراراً برفض المحكمة وعدم الاعتراف بها ومن ثم رفض تمويلها من الدولة، وعليه من الصعب أن يمر التمويل بهكذا سهولة وبساطة من غير ان يكون وزراء «حزب الله» وأمل وعون على علم مسبق به وبتعليمات قيادية القبول به وعدم إثارة أية اعتراضات حوله، ويرجّح المصدر أن المخرج لتمويل هذا العام هو حصيلة تشاور بين الرئيسين بري وميقاتي بعلم وموافقة قيادتي «حزب الله» والتيار الوطني الحر.
بدورها، ردّات فعل المعارضة لم تكن بارزة على هذا «المخرج» الحل، فهي وإن عابت عليه كأنه عملية «تهريب» وتوعدت بإثارته في مجلس النواب أثناء مناقشة الموازنة العامة، إلا أنها بدت راضية، فهي تريد أن تأكل العنب ولا تريد قتل الناطور.
من جهة أخرى، يرى مصدر في قوى 14 آذار أن هذه القوى في غالبيتها مرتاحة لإجراء التمويل الذي سلكه الرئيس ميقاتي، فالمحكمة الدولية نفسها أعلنت ان الدولة اللبنانية دفعت ما يتوجّب عليها من تمويل عن عام 2012، ومن جهة أخرى فهذه القوى باتت منذ أشهر مرهقة ومفككة أمام العديد من الاستحقاقات الداخلية والخارجية، ويضيف هذا المصدر انه أمام استحقاق الحوار، وأزمة تعيين المياومين في شركة كهرباء لبنان، وقضية محاولة اغتيال النائب بطرس حرب، وعقد اللجنة الخماسية المكلفة من اللقاء المسيحي الموسع في بكركي عدد من الاجتماعات لصياغة مشروع قانون جديد للانتخابات النيابية بدأت معالمه تظهر في وسائل الإعلام، وهي تتعارض كلياً مع توجهات ومصالح الرئيس سعد الحريري (السياسية – الانتخابية)، أمام كل ذلك لم تعقد قيادة قوى 14 اذار اجتماعاً لوضع استراتيجية تواجه هذه الاستحقاقات المهمة والكبيرة.
يبدو أن الرئيس نجيب ميقاتي استغل حالة «الوهن» هذه لدى خصومه، خاصة وأنه يشعر بأن ضغوط المعارضة على حكومته باتت في حدودها الدنيا ولم تعد تشكّل حالة ضاغطة لاسقاطها، ولكن قضية المحكمة لا يستطيع التنكر لها نظراً لما تمثل من حساسية كبيرة لدى القاعدة الشعبية، ولذلك عمد إلى هذا الإجراء الذي يشكّل مخرجاً «وسطياً» أرضى كل الفريقين.
وانطلاقاً من كل ما سبق اقتنص «القناص» وأقدم على ما أقدم عليه، فأراح حكومته وأراح الآخرين، ونجح في إرسال رسالة للخارج العربي والدولي ستكون لها النتائج الإيجابية على حكومته التي يسعى هو وفريقه (الأكثرية) لإطالة عمرها لأطول فترة ممكنة. لذلك فهو مطمئن وسط جميع هذه المعطيات إلى أن حكومته باقية برصيد «اللعب» على التناقضات والمصالح المشتركة بين الجميع، ولقدرته وخبرته في تدوير الزوايا التي باتت سمة أساسية من الحياة السياسية في لبنان.