كلنا نعرف ان العين لا تقاوم المخرز، وخصوصاً اذا كان المدعي يقصد ايذاء العين وصاحبها.
العين في حديثنا تتمثل في نسيج الاقتصاد اللبناني ومساعي اللبنانيين لاقتناص النجاح في مختلف بقاع الارض ولا سيما في البلدان الافريقية حيث حققوا نجاحات كبيرة.
والاقتصاد اللبناني يرتكز في المقام الاول على نجاح اللبنانيين في الخارج، وافساحهم في مجالات العمل لآلاف من الشباب والشابات وتحويلهم مئات ملايين الدولارات سنوياً الى لبنان حتى بلغ متوسط التحويلات في السنوات الاخيرة، ما بين 7 و8 مليارت دولار سنوياً.
ان هذه النتائج لم تكن لتتحقق لولا نجاح اللبنانيين في حقول التجارة، والمقاولات، والتعليم، والاعمال المصرفية، ومختلف نشاطات الاتصالات، وقد بات هنالك عدد ملحوظ من الشركات اللبنانية التي تحقق مداخيل قائمة تتجاوز ملياراً وملياري دولار سنوياً، وحتى عشرة مليارات، في مجالات الاتصالات وتجارة منتجات النفط.
النجاح اللبناني، من مختلف الفئات اللبنانية، سواء الشيعة، او السنة، او الموارنة، او الارثوذكس، او الارمن، او الكاثوليك ازعج الاسرائيليين. فهؤلاء الى وقت قريب كانوا يرون أن نجاح اللبنانيين يتجاوز نجاح مواطنيهم، وأنه ما دام لبنان صامداً في وجههم عسكرياً فانهم يريدون اضعاف اللبنانيين في افريقيا، وجنوب اميركا، وان استطاعوا حتى في العراق، وبعض بلدان الخليج. وحيث ان اسرائيل، التي صارت تعتبر نفسها قوة عظمى بفضل دعم الولايات المتحدة، وترسانتها النووية، واكتشافاتها من الغاز والنفط، لا تريد ان تظهر دولة معتدية على مصالح مواطني دولة أخرى هي لبنان، فقد لجأت الى تحريض فئات تستطيع التأثير في الرأي العام الاميركي، نظراً الى اختراق مناصري اسرائيل لمختلف وسائل الاعلام، المكتوبة، والمرئية. وقد برز مسعى جديد لإصابة لبنان وقطاعه المصرفي بضرر من تهجمات مجموعة تسمي نفسها "المتحدون في وجه ايران نووية".
ويطالب زعماء هذه المجموعة الحكومة الاميركية باقرار قوانين تمنع التعامل مع المصارف اللبنانية، وهم يدعون ان المصارف اللبنانية تسهل عمليات تبييض الاموال لحساب "حزب الله" وايران، بل هم يدعون ان الجهاز المصرفي اللبناني قائم على هذه الممارسة.
اباطيل هذه الادعاءات ظهرت في مقال نشرته جريدة "وولت ستريت جورنال"، التي هي في المناسبة ملك موردوخ الذي اتهم في انكلترا بالتعدي على الحريات الشخصية، ودينت مجموعته بحيث اضطر الى اقفال اكثر صحفه مبيعاً والاعتذار علناً عن ممارسات فريقه.
جريدة موردوخ نشرت في عددها المؤرخ 3/ 7/ 2012 ان المجموعة المشار اليها تطالب المؤسسات المالية بالتخلي عن تملك سندات حكومية، او سندات تصدرها مصارف لبنانية، لان لبنان بحسب ادعائها هو مركز لتبييض الاموال لمصلحة "حزب الله" وايران. واعتبرت ان استجابة السلطات الاميركية لطلب المجموعة يؤدي الى تهديد القطاع المالي في لبنان.
وأضافت الصحيفة، التي يفترض انها من الصحف المتخصصة المميزة: ان قطاع المصارف والمؤسسات المالية في لبنان يشكل نسبة 35 في المئة من الدخل القومي، والتوصل الى تجميده وتقزيمه يساهم في ضبط "حزب الله" وايران.
من المعلوم لدى أي مطلع على الاوضاع الاقتصادية والمالية في لبنان ان قطاع المصارف والشركات المالية لا يشكل نسبة 10 في المئة من الدخل القومي، لا 35 في المئة حسب ادعاءات "الوول ستريت جورنال"، فهنالك 24 الف لبناني ولبنانية يعملون في قطاع المصارف والشركات المالية، وهؤلاء يشكلون نسبة 2٫4 في المئة فقط من القوى العاملة التي يبلغ عددها 1٫1 مليون لبناني ولبنانية.
قطاع المصارف والشركات المالية يساهم في الدخل القومي بما يساوي كتلة المعاشات والاشتراكات الاجتماعية لصندوق الضمان الاجتماعي وارباح المصارف قبل فرض الضرائب عليها ومجموع هذه العناصر لا يتجاوز نسبة 12 في المئة من الدخل القومي.
الاحصاء الخاطئ لا ينفي ان الضرر بالقطاع المصرفي له ترددات قد تفوق دور القطاع في الدخل القومي، والسلطات الاميركية تسببت بأزمة مصرفية نتج منها اقفال مصرف كانت موجوداته تشكل 5 في المئة من مجمل موجودات القطاع المصرفي. وفي آخر موقف لنائب وزير الخزانة الاميركي، وجه اتهاماً الى مصرف بأن مدير احد فروعه خارج بيروت ساهم في تبييض مليوني دولار، ومن بعد وتفادياً لضرر اكبر صرحت السفيرة الاميركية بان هذه القضية قديمة، والمصرف المعني افاد ان الموظف المشار اليه ترك العمل منذ اكثر من سنة.
العائلة المالكة للمصرف المعني، حققت نجاحات كبيرة في مجالات الانشاء والتوزيع الغذائي في غرب افريقيا، وهي تؤمن لمواطني عدد من بلدان غرب افريقيا 100 مليون رغيف يومياً، وتالياً فان ارباحها من هذا النشاط وحدها لا يمكن تحقيق جزء منها بعملية كالعملية المشار اليها، والنية واضحة: يجب الاضرار باللبنانيين الناجحين حيث هم، وخصوصاً في البلدان الافريقية، حيث تسعى اسرائيل منذ عشرات السنين الى مواجهة نجاح اللبنانيين.
لقد بات علينا واجب مصارحة السلطات الاميركية بان الادعاءات الواردة مغرضة وهدفها النيل من النجاح اللبناني، وبالطبع العين لا تقاوم المخرز، لكن المنطق والحقيقة يفرضان على السلطات الاميركية التحلي بالحكمة والموضوعية والامتناع عن الانجرار وراء الادعاءات الهادفة الى الإضرار باللبنانيين ونجاحاتهم.