كتبت كارلا خطار في "المستقبل":
ينتفض ويثور.. يهاجم ويعادي.. ثم يعود ليرضخ. إنها مسيرة رئيس تكتل "التغيير والإصلاح" في كل الملفات الخلافية التي تضعه أحيانا على حافة الهاوية تجاه حليفه "حزب الله".
اعتاد اللبنانيون على رؤية الجنرال "يهدّ ويقدّ" لكنهم أيضا عرفوه متناقضا ومتلاصقا بالحلف السوري – الإيراني. مرات عدة كاد أن يخرج عون من بيت الطاعة الذي أبرم اتفاقه في مار مخايل، إلا أن إرادة السلاح والتوجيهات الإقليمية أرادت غير ذلك فعاد الجنرال.
لطالما ترك الحزب الجنرال في "نصّ البير" خصوصا عندما يصرّ الأخير على تنفيذ مشاريع صهره. فأراد الجنرال أن تكون المعادلة "وحدة بوحدة" فلم يشارك في جلسات المياومين. هكذا ترك الحليف المسلّح الجنرال وحيدا في مواجهة ملف الكهرباء حيث لم يتعدّ دور "الحزب" تدوير الزوايا، ثم تخلى عنه في مواجهة تعديل الحدّ الأدنى للأجور وغيرها من مواضيع العمالة والتعيينات…
.. ويعود الجنرال الى أحضان تفاهم مار مخايل. ويتراجع الى بيت الطاعة بعدما فعلت رسائل التذكير والترغيب فعلها. ذكّره حزب السلاح بأن كل الفضل في حجم كتلتيه النيابية والوزارية يعود إليه. أذعن الجنرال واقتنع بأن تحالفه مع "حزب الله" والسلاح وبالتالي مع المحور السوري – الإيراني أقوى من تفاصيل السياسة الداخلية.
زواج بالإكراه يجمع بين الحزب والتيار يحظى فيه الأخير بركن بمظلة من التوازن والاستقرار، ووعد من الأول بضمانة التعايش ومظلة الإصلاح. وسيحظى الحزب بثقة الجنرال الذي يستعمله الحزب سلاحا مضافا على سلاحه لـ"حرقصة" الحليف ومحاربة الخصوم.
صحيح أن الجنرال سريع الغضب ويمكنه أن يفقد صوابه خلال جزء من الثانية.. لكنّه في المقابل يستغرق وقتا أقل ليرضى. وقواعد الجنرال تعاكس كل قواعد التاريخ فتراه مقتنعا بأن "رضى الله من رضى حزب الله".. فتراجع عون عن لهجته التصعيدية بعدما وتّر أجواء البلاد. إلا أن مواقفه المتناقضة تطرح جملة من الأسئلة منها: هل وافق على تثبيت المياومين في مؤسسة كهرباء لبنان بعد إقراره في المجلس النيابي، أم أن هناك صفقة تتعلق بتعيينات إدارية أو خلاف ذلك؟
"ثورة" الجنرال أدركت خواتيمها: الأمر لهم والطاعة له. مظلة حزب السلاح "المقدّس" هي الحلّ، ومصالح الجنرال الانتخابية تعلو على كلّ مصلحة أخرى بالإضافة الى ما تفرضه الحسابات الإقليمية.. فلا بأس في أن توضع العربة قبل الجواد، خصوصا بعدما سرّبته مصادر مقربة من عون عن جلسات مصارحة عقدها، بعيدا عن الأضواء، مع بعض أركان تياره أجرى خلالها جردة حساب لما جناه من مكاسب أو نكسات سياسية جرّاء تحالفه مع الحزب. في نهاية الإنتفاضة "الدلّوعة"، يعود عون أدراجه الى بيت الطاعة ويبقى الخوف من أن تكون مظلة الحزب محشوة بالرصاص.. فينهمر المطر على الجنرال عندما يضغط على "زنادها"!
"تراجع عون يإيعاز سوري" يقول عضو الأمانة العامة لقوى 14 آذار الزميل نوفل ضوّ ويشرح "بأن النظام السوري يريد أن يستمر الوضع في لبنان على ما هو عليه، وبالتالي فإن محاولة عون أثبتت أنه خاضع لمعادلة أكبر من ذلك قاعدتها ضرورة إبقائه في الصف الى جانب "حزب الله" في هذه المرحلة، خصوصا وأنه من مصلحة كل من سوريا وإيران أن يبقى حلفاؤهما متضامنين بمعزل عن كل التفاصيل".
ولفت ضوّ الى أن "عون خضع للأمر الواقع، فالمسألة ليست مسألة تسويات أو على علاقة بموضوع "عطيني تأعطيك"، والدليل على ذلك ما طرحه وزير الإعلام بالأمس عن سعيه الى تثبيت المتعاقدين في وزارة الإعلام.. وكلنا نعلم بأن هذا الموضوع متعلّق بالدرجة الأولى بالرئيس نبيه بري، وهو صاحب المصلحة الأكبر فيه، تماما كما هو موضوع الأجراء والمياومين في مؤسسة كهرباء لبنان..". ويتوقع ضوّ أن "يتعرض عون لمزيد من الضغوط من جانب حلفائه بعدما لمسوا أن الإرادة السورية تضغط عليه ليسير في ركب اللعبة السياسية".
ويتابع ضوّ مقدّما دليلا آخر على أن عون خضع للأمر الواقع "فقد كان عون مترددا في الإنتخابات الفرعية في الكورة، وقد حرك ماكناته الإنتخابية خلال الساعات الـ24 الأخيرة عندما تلقى إيعازا من الجانب السوري أيضا للدخول في المعركة.. ويختم ضوّ "عون رضخ لشروط "حزب الله" وحركة "أمل" في الوقت الحاضر، ومن غير الصحيح القول بأن عون قادر على الإمتداد لأن النظام السوري و"حزب الله" يعتبران أن المرحلة دقيقة ولن يسمحا باستغلالها لابتزازهما سياسيا وإداريا".
من جهته، يشير عضو كتلة "المستقبل" النائب محمد قباني الى أن "التفاصيل لا تزال غير واضحة حول تطوّر العلاقة بين "حزب الله" وميشال عون، لكن من دون شك أن موضوع المياومين أحدث أزمة في العلاقة بين الطرفين وبالتالي صعّد الفريق العوني وجرّ معه سواه لمقاطعة الجلسات..".
وهل عاد عون نتيجة اتفاق؟ لا معلومات أكيدة يقول قباني ويتابع "لا يبدو حتى الآن أن هناك اتفاقا لأن عون يصرّ على مشروع باسيل بسبب العلاقة الشخصية التي تربطه به، وبالمقابل وضع المياومين دقيق." ويضيف "أما اليوم فلا يجد عون مبررا للتصعيد اللفظي ولكن هذا لا يعني أنه غيّر موقفه". فهل لايزال على خلاف مع "حزب الله" في ما خصّ المياومين؟ يردّ قباني من دون أن يجزم "أعتقد ذلك فلا علم لي بوجود اتفاق".