انقسامات ومقاربات تضيّع مكاسب جنيف
الموفد الدولي سقط في خطأ الخداع
كشفت التطورات والمواقف الدولية المتصلة بالوضع في سوريا مزيدا من التخبط والعجز اللذين يسيران جنبا الى جنب مع مساعي تضييع الوقت لعدم وجود حلول جدية في الافق المنظور كما مع الانقسام الدولي الذي يترك مفاعيله بقوة على ما يجري على الارض في سوريا وفق مصادر ديبلوماسية معنية. وتتوقف في تفسيرها لذلك عند مجموعة مؤشرات من بينها:
اولا ان اجتماع مجموعة العمل من اجل سوريا التي انعقدت في 2 من الجاري في جنيف وروجت على اثرها الدول الاوروبية والولايات المتحدة ان الموقف الروسي شهد تغييرا من خلال موافقته على حكومة انتقالية بصلاحيات تنفيذية كاملة اعلن على اثره بيان مشترك قد دحضه تطوران على الاقل: الاول اجتماع روسيا مع وفد من المعارضة السورية في موسكو خرجت على اثره هذه الوفود بانطباع ان الموقف الروسي لا يزال على حاله وهو لم يتغير باعتباره لا يزال يدعو كما دعا المعارضة قبل اشهر الى حوار بين السلطة والمعارضة بغض النظر عما حصل من تطورات ميدانية لها دلالات كبيرة. والتطور الآخر تمثل في التجاذب الدولي مجددا في مجلس الامن بين روسيا والصين من جهة والدول الاخرى من جهة ثانية حول مشروع قرار يطالب بعقوبات ضد النظام في حال عدم وقفه النار في اطار مناقشة التمديد لمهمة المبعوث الدولي الى سوريا ومهمة المراقبين. وهذا التجاذب يظهر سطحية ما تم التوصل اليه في جنيف ان لم يكن يدحضه او ينسفه في حال لم يتم التوصل الى آلية تنفيذية له باعتبار ان زخم الاتفاق الذي تم التوصل اليه في جنيف لم تبلغ عتبة مجلس الامن علما ان المواقف الروسية الاخيرة ترسل مؤشرات او رسائل متناقضة بين اعادة ارسال المروحيات التي كانت اوقف ارسالها قبل اسبوعين الى دمشق وتوجه بواخر من الاسطول الروسي الى طرطوس تزامنا مع الاعلان عن وقف عقد صفقات جديدة من الاسلحة قبل استتباب الوضع في سوريا.
ثانيا ان المقاربة التي يعتمدها الموفد المشترك للامم المتحدة والجامعة العربية الى سوريا كوفي انان لم تكن موفقة من زوايا متعددة. فالرجل الذي زار دمشق اخيرا خرج بانطباع او اظهر انطباعا بالاحرى انه توصل مع الرئيس السوري بشار الاسد الى توافق على خطة ما بدا انها لم تأخذ في الاعتبار الجديد الذي طرأ على خطته والمتمثل في اتفاق جنيف من خلال التسليم بنقاط لتهدئة الوضع كان يفضل الا يبدي انان رأيه فيه بدلا من اظهار اقتناعه بها. علما ان ما اعتبر تقدما خرج به من خلال تسمية الرئيس السوري ممثلا له في الحوار مع المعارضة وهو الوزير في حكومته علي حيدر ليس جديدا بالمعنى الصحيح للكلمة باعتبار ان انان وحين زار دمشق سابقا على اثر تكليفه توصل الى خلاصات ان النظام سيسمي مندوبا عنه للحوار مع المعارضة باعتبار ان خطة انان كانت تقضي بالنية في جمع الطرفين إلى طاولة حوار في حزيران الماضي ثم عاد وأرجأ ذلك الى ايلول المقبل بعدما فشلت خطته للنقاط الست وهو حمل النظام مسؤولية اساسية في هذا الفشل. والجديد الوحيد بين لقائه السابق مع الرئيس السوري واللقاء الاسبوع المنصرم هو ابدال اسم بثينة شعبان التي كانت مرشحة النظام لتمثيله في حوار مع المعارضة وفق ما سرت معلومات آنئذ بعلي حيدر. وهذه المقاربة تظهر ان انان أخطأ في التسليم بمنطق النظام وخطته لوقف العنف باعتبار انها تمده بالوقت لتنفيذ ما يقوم به في حين ان هذه المقاربة كفلت له انعكاسين خطيرين على مهمته:
الانعكاس الاول ان مجزرة التريمسة تظهر ان التسليم للنظام بأي خطة يضع هذا الاخير عناصرها او يساهم فيها يعني ان الموفد الدولي تم خداعه من خلال الموافقة العلنية على خطته ثم نسفها من تحت الطاولة كما جرى سابقا. وقد سارع انان الى الاعلان عن صدمته ازاء هذه المجزرة محملا النظام المسؤولية فيها ارتكازا على حركة المروحيات والقصف اللذين لا تملكهما المعارضة. ثم ان ما بدا منه تبنيا لخطته مع الاسد كفل له فقدانا لصدقيته وحياديته مع المعارضة السورية التي خصصت له يوم الجمعة اعتراضا على وساطته ورفضا لدوره خصوصا ان موقفه اتى معطوفا على زيارة قام بها انان لطهران في الوقت الذي عارضت فيه الدول الغربية ايلاء ايران اي دور في موضوع سوريا في الوقت الراهن. وهو الامر الذي يخشى ان يضع تحديات اضافية امام الموفد الدولي من اجل اسباغ صدقية على مهمته ابعد من توفير المهل للنظام او تضييع الوقت وفق ما بات متعارفا على تحديد مهمة انان في عدد لا بأس به من الدول العربية والخارج في انتظار توافق الغرب مع روسيا علما ان اسئلة يثيرها البعض في شأن اقامته حوارا بين النظام والمعارضة حول مرحلة انتقالية مقبلة حيث مصير النظام هو الذي بات مطروحا على المحك وليس حوارا عاديا بين سلطة ومعارضة.
فهل تشكل مجزرة التريمسة التي فاقت بهولها كل المجازر التي وقعت حتى الآن محطة فاصلة في اتجاه تعديل في المواقف ام انها ستكون مجرد فصل جديد في فصول الازمة السورية المتواصلة؟