من غير المفاجئ أن يتطوّع أي عضو في "الحزب السوري القومي الاجتماعي" ليقدم مطالعة ايديولوجية يدافع فيها عن ممارسة الاغتيال السياسي. ذاك ما حدث في الأمس، عبر قناة "أو.تي.في" التلفزيونية التابعة للتيار العوني، حين أعلن المرشح القومي للانتخابات الفرعية في الكورة وليد العازار جملة مبرّرات لقيام حزبه باغتيال الرئيسين رياض الصلح (16 تموز 1951) وبشير الجميّل (14 أيلول 1982).
لا مفاجأة على الإطلاق في أن ينبري أحد "القوميين السوريين" ليبرّر قتل رؤساء وشخصيات وزعماء. فهذا الحزب، بتاريخه المديد، له تاريخ عريق في ممارسة الاغتيالات والعنف. وقد يكون المدرسة الأعرق بين فاشيات المشرق العربي في اللجوء إلى الاغتيالات والممارسة الإرهابية. إنّه "مرجعية" في الأساس الفكري الذي يدمج السياسة بالإرهاب، والذي تحوّل من بعده إلى تقليد شائع لدى الأحزاب المشابهة. يمكننا هنا أن نشير إلى شغف هذا الحزب بتمجيد "القوّة" بكل مظاهرها العسكريتارية. شغف تحوّل إلى علامة فارقة لهذا الحزب في مباشرته السياسة، منذ خروجه إلى العلن عام 1936 (تأسّس سراً 1932).
وإذا كان من بلاء أصاب المشرق العربي، فهو توسّل الإرهاب والعنف طريقاً إلى السلطة وأسلوباً في السياسة. وفي هذا، برع الحزب السوري القومي الاجتماعي في تكريس هذه الثقافة. فزعيمه أنطون سعادة الذي توسّم خيراً في أول انقلاب عسكري في سوريا (حسني الزعيم 1949)، بلغت فيه الحماسة هو وحزبه أن دبّر في صيف عام 1949 أوّل محاولة انقلابية في لبنان، وتحوّل هذا الانقلاب إلى كارثة أدّت إلى إعدام انطون سعادة نفسه وسجن الكثير من مناصريه، ومنذ تلك اللحظة تحوّل هذا الحزب إلى منظمة تضمر روحاً ثأرية ووعياً عنيفاً.
من رحم هذا الحزب خرج أكرم الحوراني، الذي سيكون أحد مؤسسي "حزب البعث العربي الاشتراكي"، جالباً من "تربيته" القومية السورية (كان مقرّباً من أنطون سعادة) فكرة استثنائية: إذا كان الشيوعيون يطمحون لثورة شعبية للوصول إلى الحكم، وإذا كان الاخوان المسلمون يتوسّلون الثورة الشعبية أو الانتخابات للوصول إلى السلطة، فإنّ البعث عليه بالجيش كأداة للسيطرة على الحكم عبر الدبابات. هذه الفكرة، "القومية السورية" الأصل، سيأخذ بها البعث مع أكرم الحوراني وستقرّر مصير المشرق العربي البائس منذ ذلك الحين.
في تلك الفترة بدأ السباق بين البعثيين والقوميين على مَن سينجح في تدبير الانقلاب. هكذا سيغتال القوميون الضابط المقرّب من حزب البعث عدنان المالكي، فيردّ البعثيون بحملة تصفية للحزب القومي ومطاردة له وصولاً حتى إلى شوارع بيروت (اغتيال الضابط القومي غسان جديد في محلة السادات).
هكذا سيرتسم تاريخ الدم والقتل الذي سيلازم هذا الحزب، الذي لن يتورّع في خلافاته الداخلية عن اللجوء إلى أشد أنواع العنف، وسيحاول عام 1962 تدبير انقلاب عسكري فاشل في لبنان وسيقبع جلّ قيادييه في السجون حتى أواخر الستينات. وبعد خروجهم من السجن سيتحوّل تاريخ خيباتهم إلى مرارة عميقة ستنفجر خلافاً شرساً تؤدي إلى انقسامه، وستشهد صفوفه عمليات اغتيال وخطف وتصفيات جسدية (أشهرها اغتيال وسام زين الدين أبو واجب).
على هذا المنوال سيستأنف الحزب القومي تقاليده العريقة في منتصف الثمانينات، عندما تعصف به الانقسامات، وسيشهد حرباً داخلية شديدة القسوة، وسيتبادل طرفا النزاع فيه القتل والقتل المضادّ يطال أبرز قياداته (محمد سليم، حبيب كيروز، توفيق الصفدي وآخرين). وسيخرج بعدها هذا الحزب "موحّداً" بقبضة أسعد حردان، قائد الانقلاب العسكري على قيادة الحزب (المجلس الأعلى).
مرشح هذا الحزب وليد العازار، لا يفاجئ أحداً عندما يرى في اغتيال الرئيس رياض الصلح مجرّد ردّ فعل عادي على "اضطهاد" الدولة اللبنانية لحزبه، ويرى في اغتيال الرئيس بشير الجميل أمراً طبيعياً (…) ومَن يحمل هكذا "فكر" وتراث يطلب من اللبنانيين أن ينتخبوه "ديموقراطياً" ليكون نائباً ومشرّعاً؟!