عندما اغتيل الشهيد الكبير كمال جنبلاط، كنّا نعيش في لبنان كلّه، من أقصاه إلى أقصاه، زمن القتل والقتلة والميليشيات والوصايات "المتعددة" المتصارعة، والمتنافسة على هذا البلد، والمتواثبة على تدميره خدمة لإسرائيل ولكل من يستفيد من خراب لبنان. كان القتل جزءاً من "البطولة" هنا وهناك وهنالك. حتى القتل على الهوية والإسم والشكل وعلبة السجائر. والكتاب واللهجة والملبس والمنخار. وهناك القتل للقتل… ولأن القتل تفشى في العقول مستورَداً بشكل استثنائي من الغرائز، ومن الأنظمة الاستبدادية التي كان لها "الأيديولوجيا" و"الأسلحة" و"العملاء" والمجرمون. كان زمن القتل. القتل الاحتفالي. والقتل البربري والقتل السري. بل تحول القتل كتجارة وعلاقة تبادل بين الميليشيات عندنا كافة (شرقاً وغرباً) تماماً كما السرقة، والنهب والخطف والسطو على المنازل والسيارات والغزو… كل ذلك شكَّل مناخاً واحداً، في ظل غياب الدولة. وانقسام الجيش. والحالة الكانتونية السائدة.
في السبعينات ربما كان عليك ان تقتل لكي تكون بطلاً. لأن القتل كان بلا عقاب. ولا قضاء. ولا محاكمة… الحكم كان لهؤلاء المرتبطين بالخارج وتولوا بالوكالة إحراق البلد. كل هذه المناخات سهلت أن تكون لغة الإلغاء والجنون والدم والمذابح من تعابير النضال العالية "العنفوانية" هنا و"الوطنية" هناك… فالموت لغة اللغات، والسواد بات بياض الانتصارات.. والتهجير وسيلة إعلان النصر.
وعندما "انتهت" (من دون أن تنتهي) هذه الحقبة، بما يسمى اتفاق الطائف، و"ساد شيء" من الهدوء وتفاوتت الجبهات، في سلمها، والسلاح في اختفائه، وعاد ما عاد من متاع "الدولة" لكن تحت ظل الوصايات هنا، والاحتلال الإسرائيلي هناك (في الجنوب والبقاع الغربي)… كأنما تكونت مناخات أخرى للقمع والترويع والاضطهاد… وصولاً إلى الاغتيال: هذه المناخات تجسدت إلى حد كبير، في مصادرة "الدولة" أولاً. وفي محاولة بناء قوى أمنية وجيش وأمن عام، من "عقيدتها" الارتباط بإرادة "الوصايات" لا سيما الشقيقتين… القريبة سوريا… والأبعد إيران؛ وفي مصادرة القضاء ثانياً: نتذكر "العضومية" وما ارتكبت… وملفاتها وتلفيقاتها. وفي تغلغل "المخابرات" الشقيقة مدعومة بالمخابرات المحلية… تؤازرها مديريات الأمن العام. كل شيء مهيأ لكل شيء! اي كل شيء ممكن الحدوث: الاغتيال . النفي. الترهيب. السجن. إنها المرحلة السورية بامتياز (خصوصاً التسعينات بعدما أكمل النظام السوري احتلاله كل لبنان، أثر هزيمة جنرال الهزائم في حربه التحريرية المزعومة…). فعندما يكون كل مفاصل الدولة، والجيش والقوى الأمنية والأمن العام والقضاء في أيدي الطغيان وفي متناول المرتزقة والعملاء واللصوص يصبح كل معارض أو منتقد، أو محتج، أو مختلف، فريسة سهلة في هذه المناخات الكابوسية. في هذه الأجواء "السورية" (بعد انسحاب اسرائيل من الجنوب) تفرغ حزب الله لتنفيذ خطة تقاسمه البلد (بإسم إيران) مع السوريين، توفرت كل الأسباب للقمع. وهنا نتذكر اغتيال القضاة الأربعة واغتيال الرئيس رينه معوض (لضرب الطائف) ونفي كل من أمين الجميل وميشال عون وريمون اده (قبلهما) وصائب سلام وابراهيم قليلات (قبله). وتقي الدين الصلح… (أي الزعامات المارونية والسنية الأساسية. وهذا يفسر تصفية المقاومة الوطنية واتخاذ قرار إيراني سوري بانشاء مقاومة مذهبية إسلامية، وسَجن سمير جعجع، من دون ان ننسى ما سبق ذلك من اغتيالات للشيخ صبحي الصالح، والمفتي حسن خالد (سنيين) وحسين مروة ومهدي عامل وميشال واكد وسهيل طويلة (شيوعيين) وصولاً إلى مرحلة مكملة عبر اغتيال الشهيد رفيق الحريري وبيار الجميل وسمير قصير وجورج حاوي ووليد عيدو وجبران تويني وانطوان غانم و… (بعد ثورة الأرز وقبل قيام المحكمة الدولية) هذه الحلقات من الإلغاء الجسدي ("أبطالها" واحد) وفي مرتكبات متشابهة وبأيدٍ تكون ذاتها. أي، ان كل مراحل الاغتيالات كان الذين تمت تصفيتهم من معارضي النظام السوري وُفّرت لها درجات عالية من الظروف الملائمة: تجهيل الفاعل المعروف ولأن، كل هذه الجرائم التي ارتكبت كانت تلفلف، ابتداء من تواطؤ الأجهزة الأمنية (العميلة للنظام السوري) الى تواطؤ القضاء فإلى ترهيب أهل الشهداء واحزابهم ومنعهم من المطالبة حتى بالتحقيق.. فإلى تواطؤ بعض رؤساء الجمهورية (إميل لحود) اي تواطؤ يكاد يكون شاملاً، فإن كل أمل بكشف الفاعلين المباشرين أو مَنْ وراءهم كان مستحيلاً بل والمطالبة بالعدالة، كانت بالنسبة للوصايتين "خدمة للعدو"، وتهديداً لوحدة البلد ولأمنه واستقراره وضرباً للمقاومة، ومن ثم للممانعة، "فموتوا بصمت" وكأن اشباحاً قضت عليكم. والعقاب للضحية، وليس للجلاد، هذا بالذات ما جعل مسطري قرارات "الإعدام" وتنفيذها بمنأى عن أي محاسبة: فهم كانوا الحُكم والحَكَم! وبعد ثورة الأرز، وانسحاب الجيش السوري (وبقاء فلوله مدجحين بالسلاح كحزب الله والأحزاب المرتبطة به والبؤر خارج المخيمات..) وانشاء المحكمة، تراجعت "موجة" الموت الاستنسابي هذه… بتبدل المناخات طبعاً. فـ 8 آذار مهزومة وتمكنت قوى أمنية مخلصة ووطنية من لعب دور أساسي لكشف خيوط جريمة قتل الحريري… وشهداء الأرز، وكذلك خلايا تجسس لاسرائيل (وأهمها العميل فايز كرم) وكذلك ساعد نجاح 14 آذار في الانتخابات ووصول الرئيس السنيورة وسعد الحريري إلى رئاسة الحكومة. تراجعت "مهنة" القتلّ! وظن اللبنانيون انهم باتوا ولو نسبياً بأمان. لسبب بسيط ان المناخات التي توفرت للمجرمين من أهل الوصايتين في السابق قد تغيرت.
لكن يبدو، اليوم، وفي ظل حكومة الموت والموتى، حكومة القمصان السود المسمومة اثر الانقلاب المشين الذي دبره النظامان السوري والإيراني ونفذه حزب الله بكل طاعة واخلاص وتفان وايمان بولاية الفقيه إيماناً عميقاً… استُعيدت كل ملامح الأجواء السابقة، يضاف إلى كل ذلك عامل جديد هو ثورة الشعب السوري على جلاديه. كل العوامل والظروف التي تستعيد زمن القتلة وحرية القتل واللوائح السود (كقلوبهم وقمصانهم) استرجعت، فالحكومة حكومتهم والأمن العام أمن عامهم. والفلتان الأمني فلتانهم. والاعتداء على المؤسسات الاعلامية من شناعاتهم. تمثلت حكومة ميقاتي بمرتزقتها كل المراحل السابقة واستوعبتها وبدأت تنفيذها. من جهة تريد قمع الذين يؤيدون حق الشعب السوري في تقرير مصيره، ومن ناحية أخرى إبادة رموز ثورة الأرز أو حصارهم، أو حملهم على الهجرة (كما فعلته الوصاية السورية ابتداء من اغتيال جنبلاط وحتى الطائف ومن ثم اغتيال الحريري). يريدون اعادة التاريخ إلى ورائهم الكالح والدموي. وها هم مرتزقتهم من السياسيين والإعلاميين بكل جهوزيتهم للتحريض على المعارضة وكتّابها وصحافييها، واستخدام لغة التخوين (هذه المرة حيّد حلفاءُ النظام السوري وبأمر سوري اسرائيل لكن ليحلوا محلها "الارهابيين" والسلفيين)، بمعنى آخر، في الماضي كان هؤلاء المجرمون يتهمون 14 آذار بالعمالة لإسرائيل وعندما يغتالونهم، يتهمون اسرائيل بقتلهم اليوم، عندهم جهة أخرى "جهّزوها" إعلامياً: هي "الإرهابيون": فاذا نجحوا في اغتيال أحد رموز المعارضة… فسيتهمون بذلك السلفيين (من أهل السنة تحديداً)، حاولوا قتل سمير جعجع ولما فشلوا، اتهموا هذا الأخير بفبركة "الخبر" لأسباب انتخابية أو سواها! وحاولوا اغتيال بطرس حرب، فاتهموا هذا الأخير أيضاً بفبركة الخبر.. يتم كل ذلك، وهم يصادرون "الداتا"… ويمنعونها عن قوى الأمن. أي انهم يريدون أن يستفيدوا من تجاربهم الإجرامية السابقة، ليتجنبوا "الإهمال" الذي كشف دورهم في الماضي، كأنهم يقولون للبنانيين، انتم بلا سقف. وبلا عيون تسهر عليكم. وبلا دولة. عُزّل. ولا حكومة. ولا قضاء.. ولا عدالة. فأنتم اذاً فرائس على مرمى رصاصنا. وربما غداً مدافعنا. وصواريخنا (تذكروا 7 أيار!) ربما غداً نزجكم في سجوننا وفي سجونكم.
فالديكورات السابقة اعيد تركيبها لتلعب عليها مسرحية "القتل" الجديدة. العسكر لا نعرف ماذا يفعل؟ الأمن العام يصاحب أصحابه من حزب الله والنظامين السوري والإيراني. المخابرات السورية مستنفرة. الأحزاب المرتهنة للنظام السوري مستعدة بكل تألقها! الاعلام التافه (شريك الإجرام في السابق ها هو ذاته يجدد شراكته! فلا فُضّت زلاعيمهم ولا اقلامهم.. ولا جيوبهم المليئة بدم الأبرياء!) يزوّر الحقائق ويحرض على الاغتيال. القضاء العسكري مُعسكر الى الدرجة التي يطلق فيها قتلة الشيخين بكل استفزاز وتحد للشعب اللبناني وأهل الشهيدين حكومة "المنفى" الميقاتية وهي مجموعة عملاء ومرتزقة ولصوص تغطي كل هذه "الديكورات" المستعادة. ولم يكن ينقص كل ذلك سوى المرحوم غازي كنعان الذي انتحر في دمشق بعدة رصاصات ورستم غزالي. لكن السفير السوري (الشاعر السابق) علي عبد الكريم عوّض عن الاثنين بكفاءة الشعراء المرتدّين وما أكثرهم في أيامنا هذه. لكن هنا فارق بين اليوم والأمس: أولاً ان رئيس الجمهورية ليس إميل جميل السيد لحود! فهو العماد ميشال سليمان وشتان بين الاثنين. وان الظروف التي يهيئونها لتنفيذ جرائمهم (برعاية حزب الله دام ظله الخامنئي المديد والوريف)، لم تعد صالحة. فما كان "جائزاً" أيام الوصايتين لم يعد كذك اليوم: فهناك الربيع العربي الذي عصف ليجرف هؤلاء الطغاة (كالربيع الإيراني الذي سيشرق من جديد) وتساقط زمن بأكمله. وهناك ربيع الشعب السوري، الذي بدأ يغطي الأرض السورية بأبطالها وشهدائها. وهناك. وقبل كل ذلك، ثورة الأرز بجماهيرها السلمية، وكذلك الاعلام "الوطني" الحر وهناك تنظيم لكل هذه الجموع وهذه الهيئات والأحزاب تحت مظلة 14 آذار. وهذا بالذات ما جعل حزب الله (ما هذه البيئة المحتضنة لكل هؤلاء العملاء لإسرائيل في صفوف قياداتكم. أي ارض خصبة للعمالة! رائع) يحشد كل طاقاته الاعلامية المحرضة، والشاحنة بالكراهية والعنف والتحريض على تنفيذ مهام التخريب والترهيب (محاولة إحراق محطة نيو تي ي والضغط لعدم تسليم "الداتا" لكشف محاولتي اغتيال حرب وجعجع. لأن الخيوط قد تمتد إلى أصابع يعرفونها جيداً، سواء ارتفعت او انخفضت)، والمضي في رشوة التيار غير الوطني وغير الحر… لاستبقائه في حكومة "المنفى"… والظلال… والاشباح واللصوص. (تأملوا ان حزب الايمان والبياض (من تبييض) والورع… يرعى حكومة حرامية وقتلة وفاسدين. فيا لروعة الايمان: "أمدونا، أمدكم الله به أرجوكم! امدونا بما عندكم يا حزب "الصفاء" والصفوية والنقاء والنقوية!). وهناك النظام السوري المتهاوي.. الذي استعرض قدراته العسكرية بعد اسقاطه طائرة تركية. (رائع يا ليته اسقط طائرة تركية لاسترجاع لواء اسكندرون او طائرات اسرائيلية لاسترجاع الجولان. فيا لهذه البطولة الدونكيشوتية) والذي ومن فرط عزلته وانعزاليته وتقدم الثوار شعبياً وفي الميادين لم يعد لديه سوى الاستنجاد بنجيب ميقاتي وبوزير خارجيتنا… وبعض الأبواق. فالديكورات عندكم تغيرت. أيها "الممانعون" و"المقاومون" ضد وطنكم. وما كان يصلح من أدوار، في السابق، بات ينتمي الى مسرحيات أخرى، ليس لديكم فيها سوى أدوار "الكومبارس" على هامش هذه التحولات الكبرى!
فلا الاغتيالات واشكال الترهيب، ومصادرة مفاصل الأمن والعسكر والدولة ولا سياسة الإلغاء أو المحاصرة… باتت ذات جدوى.. بل انَّ ضغوطكم هذه وجرائمكم وموبقاتكم ومؤامراتكم ضد شعبكم في الشمال وعكار.. ليست سوى أعراض النهايات!
وهل هناك أسوأ من هذه النهاية الدراماتيكية الفاجعة.
وأخيراً: ديكورات القتل التي كانت "مركبة" في مسرحيات الوصاية السورية أيام غازي كنعان ورستم غزالة لم تعد تجدي وان حاول حزب الله وحلفاؤه في تجهيزها من جديد امعاناً في التوغل في سياسات الاغتيال والفساد!