يخطئ من يظن أن أحدا كان يتوقع من الحكومة اللبنانية أن تقدم شكوى الى مجلس الأمن الدولي، أو حتى الى الجامعة العربية، ردا على الخروق السورية للسيادة اللبنانية في الشمال والشرق، لا على مثال ما حدث عندما خطفت القوات الاسرائيلية راعيا لبنانيا من الجنوب ولا على أي مثال آخر. فاللبنانيون يعرفون جيدا هامش "الحركة" الذي رسمته حكومتهم لنفسها، بما في ذلك سياسة "النأي بالنفس"، في كل ما يتعلق بالحدث المتواصل في سوريا منذ أكثر من عام ونصف العام حتى الآن.
كان الظن فقط أن تتوفر لدى الحكومة، أقله كما فعلت كل من باريس ولندن وواشنطن، جرأة التنديد العلني بخطف اثنين من موظفي الأمن العام من مركزهما على الحدود، أو بالقصف الصاروخي من وراء الحدود والتسبب بقتل مواطنين آمنين في بيوتهم، أو بالتوغل مئات الأمتار في أكثر من منطقة من عكار والبقاع، لكن شيئا من ذلك لم يحدث… للسبب المعروف اياه!.
بل ربما كان لدى البعض في لبنان، فضلا عن الخارج، وهم امكان قيام وزارة الخارجية باستدعاء السفير السوري في بيروت علي عبد الكريم علي للفت نظره (مجرد لفت نظر لا أكثر ولا أقل!)، أو حتى الأمين العام للمجلس الأعلى اللبناني السوري نصري خوري، الى ما تشهده المناطق الحدودية بين البلدين منذ أسابيع. لكن شيئا من ذلك لم يحدث بدوره!.
وبالنسبة للاتهامات التي يطلقها النظام السوري، تبريرا لانتهاكاته للأراضي اللبنانية، عن تواجد مجموعات من "جيش سوريا الحر" في القرى اللبنانية المحاذية للحدود، بل وحتى عن اطلاق النار عليه من داخل هذه الحدود، فضلا عن تهريب السلاح الى ما يسميه "العصابات الارهابية" التي قتلت قواته وشبيحته أكثر من ستة عشرألفا منها كما اعتقلت مئات الألوف وشردت الملايين حتى الآن، فلم تتكرم السلطات اللبنانية بقول كلمة واحدة، نفيا أو توضيحا حتى تأكيدا، تبرئة لذمتها على الأقل ان لم يكن وضعا للأمور في نصابها، بينما تستمر انتهاكات هذه القوات للسيادة اللبنانية من ناحية، وقتل المزيد من المواطنين الآمنين في بيوتهم وقراهم من ناحية ثانية.
هل هي أيضا حدود حرية "الحركة" المعطاة لهذه السلطات، أو المسموح بها، من قبل النظام السوري في الفترة الحالية، أم أن الأمر يتعلق بأكثر من ذلك: التورط المباشر في الحرب المعلنة (من ايران وروسيا و"حزب الله") لاحباط الثورة وانقاذ النظام في سوريا مهما كانت الأكلاف والعواقب والتبعات؟.
واقع الحال أن موقف السلطات اللبنانية، من الانتهاكات السورية ومن الاتهامات المساقة لتبريرها، مفتوح على الأمرين معا. فهو يخدم ادعاءات النظام في دمشق منذ اليوم الأول لنشوب الثورة في شهر آذار من العام الماضي، عن تعرضه ل"مؤامرة خارجية" واستخدام "عصابات ارهابية مسلحة" فيها، بقدر ما يقدم للقوى الاقليمية والدولية والمحلية المعنية بانقاذ النظام ذريعتها المطلوبة للتدخل سياسيا وعسكريا وأمنيا من أجل تحقيق غايتها.
بل وأخطر من ذلك وأفدح، فهذه السلطات تفعل ما تفعله وهي تعلم علم اليقين(أو يفترض على الأقل؟) من هي الأطراف التي تدفع البلد باتجاه الدخول في حرب أهلية ومذهبية، ومن هي القوى التي تخطط لاعادته الى مرحلة الاغتيالات السياسية السابقة، ومن هي الجهات التي تتبرع بتوزيع السلاح هنا وهناك، وأخيرا وليس آخرا من الذي قال علنا في مؤتمر صحافي متلفز ان لا حل للقتال بين جبل محسن وباب التبانة في طرابلس على سبيل المثال الا بدعوة الجيش السوري للعودة اليها… وحتى الى لبنان كله.
لا يقال هذا الكلام الآن لاعادة نكء الجراح، عبر التذكير بالملابسات التي أحاطت باعتقال شادي المولوي في طرابلس، ولا بقتل الشيخ أحمد عبد الواحد ورفيقه في عكار، ولا حتى باطلاق سراح بعض المتهمين بالعملية من الضباط والجنود بحجة انتهاء فترة التوقيف الاحتياطي بحسب القانون، بل للتذكير بأن ذلك كله تم في الوقت الذي كانت بلدات عكار وقواها السياسية والاجتماعية والدينية تطالب في كل مناسبة بنشر الجيش اللبناني في المنطقة من أجل توفير الأمن وحماية أهلها من الانتهاكات السورية لأراضيها.
حسنا، ها قد عزز الجيش أخيرا تواجده في عكار وحتى في كل المناطق الحدودية مع سوريا كما قال بيان أصدرته قيادته متعهدة بمنع التهريب من جهة أولى والرد على مصدر النيران من جهة ثانية. وها قد توفر "الغطاء السياسي" الذي غالبا ما يقال ان الجيش يحتاج اليه قبل اتخاذ مثل هذه الخطوة. فما الذي سيشهده اللبنانيون بأم العين، ويقرأونه ويسمعونه في الاعلام المرئي والمكتوب، في الفترة المقبلة ان في ما يتعلق بالخروق السورية على الأرض، أو أساسا ب"المنطقة الآمنة" التي قيل انه سيتم انشاؤها في شمال لبنان، حتى لا نتحدث عن "الامارة السلفية" التي يقول النظام في دمشق وحلفاؤه في لبنان انها ستكون امتدادا لـ "الامارة" الأخرى التي ستقام في سوريا على حساب "النظام العلماني" القائم فيها منذ أكثر من أربعة عقود حتى الآن؟.
ثم ماذا عن سلسلة الاتهامات التي ساقها الحلفاء اللبنانيون لهذا النظام، والقائلة ان الشمال كان يعمل على تشويه سمعة الجيش فضلا عن الوقوف في وجهه، وأن حملة واسعة عليه ستبدأ بمجرد دخول وحدات منه الى أي بقعة من الحدود؟.
ألم يقل أحدهم أخيرا جدا ان باخرة الأسلحة التي قبض عليها في طرابلس لم تكن تستهدف تهريب حمولتها الى سوريا، وانما ابقاءها في الشمال لاقامة موازنة سلاح الجيش في مرحلة أولى تمهيدا لمحاولة نزعه في مرحلة لاحقة؟.
أم أن شيئا ما لن يحدث بعد الآن في الشمال، ولا في غيره من المناطق الحدودية، بعد أن وصلت "اللعبة" المتعددة الأصوات، سوريا ولبنانيا، الى نهايتها لأن تصدير الأزمة السورية الى لبنان تحديدا لم يعد من الخيارات النافعة للنظام السوري في المرحلة المقبلة؟.
من شأن الأيام، وربما الأسابيع، المقبلة أن تتكفل بالاجابة عن هذه الأسئلة.