الفوز الذي حقّقته الحركة الاستقلاليّة ممثّلة بمرشّح "القوّات اللبنانية" في الكورة فادي كرم على الحركة المعاونة للنظام السوريّ ممثّلة بمرشّح "القوميين السوريين" (كما كانت تسمّيهم "عصبة مكافحة الفاشستية والنازية" في الأربعينات من القرن الماضي، أو "السوريين القوميين الاجتماعيين" كما يسمّون أنفسهم) وليد العازار، هو بكل ما للكلمة من معنى فوز "ثمين" في رمزيّته كما في توقيته كما في مفاعيله المباشرة وغير المباشرة.
ففي المقام الأول، تواجه في هذه المعركة النقيضان. بالتأكيد، موقع "القوميين السوريين" ضمن "تحالف 8 آذار" ثانويّ قياساً بمركزيّة موقع "القوّات اللبنانية" في جبهة "قوى 14 آذار"، كما أنّ الحضور المسيحيّ لـ"القوميين" هامشيّ قياساً على ما تمثّله "القوّات اللبنانية" في الاجتماع المسيحيّ اللبنانيّ. لكنّ ما يجمع بين "القوميين" و"القوّاتيين" هو أنّهما "النقيضان" بامتياز في المعادلات السياسية اللبنانية: "القوّات" كيانية استقلالية لبنانية، "القوميّة الاجتماعية" غير كيانية عقيدة، وغير استقلالية سياسة. "القوّات" صاحبة الطرح الأكثر جذرية داخل 14 آذار، و"القوميّون" هم الأكثر تطرّفاً داخل 8 آذار من ناحية التصاقهم بالنظام البعثيّ، بل يفوقون في ذلك ما تبقى من "بعثيين سوريين" لبنانيين بدرجات! "القوّات اللبنانية" قطعت شوطاً في مراجعة تجربة الحرب الأهلية، وقطعت شوطاً أكبر في التحوّل إلى حزب سياسيّ مؤسساتيّ، أمّا "القوميون السوريون" فخاضوا معركة الكورة على أساس أنّ التقسيم العسكريّ الأمنيّ لمنطقة الشمال في أيّام الحرب الأهلية والتدخّل السوريّ ينبغي الحفاظ عليه في مواجهة "الطائفيين" القواتيين! وبالمناسبة، في معركة الكورة، ألغى "القوميّون السوريّون" آخر مزية كان البعض يحفظها لهم، من ناحية "لا طائفيتهم الجذرية"، فلم يكتفوا بالحسابات الطائفية، بل لعبوا هم أيضاً ورقة التخويف من "الإسلاموفوبيا السنية"، مضافة على المعزوفات التقليدية ضدّ الخيارات التاريخية، الإيجابية منها والسلبية، للأكثرية المسيحية، وليس لـ"القوّات" وحدها، في أعوام الحرب.
هي إذاً معركة بين نقيضين، وقد فاز فيها نقيض على آخر، واستبق هذا الفوز بأن امتلكت "القوات اللبنانية" عنصر المبادرة.
كما أنّها معركة نجحت "قوى 14 آذار" عموماً، وثنائية "القوّات" و"المستقبل" خصوصاً في جعلها معركة ديموقراطية سلمية استقلالية بامتياز، أي بإعطائها البعد السياسيّ الذي تحتاجه، في وقت يُذبح فيه شعب شقيق غير بعيد عن الكورة، وهو شعب كان يسجّل لـ"القوميين السوريين" تاريخياً بأنّهم أكثر من حرص على تأكيد وحدة حاله مع الشعب اللبنانيّ، ولو أنّهم وضعوا أنفسهم في آخر الأمر في خانة "البعثيين" أو بالأحرى "البعثيين القوميين الاجتماعيين"، "الأسديين المخلوفيين"، الذين يرتكبون بالشعب السوريّ من النوع الذي كان روّاد هذا الفكر العنصريّ الشوفينيّ يتمنّون القيام به ضدّ أعداء الأمة السوريّة، فاستعاضوا عنهم ببدل عن ضائع: أبناء الأمّة السوريّة نفسها، وتحديداً أبناء مجرى نهر أنهار الأمة السوريّة، نهر العاصي. ضفاف العاصي تدينك يا أيها الفكر القومي الاجتماعي، ويا أيها الفكر البعثي العربيّ الاشتراكيّ، ويا أيّها القسم الأسديّ من الفكر العلمانيّ واليساريّ والتقدميّ!
وفي المقابل، أحب المرء "القوات" أو بغضها، لا يقلّل هذا أو يؤخّر على حقيقة ناصعة البياض: موقف سمير جعجع من الثورة السوريّة أكثر "قوميّة عربية" من كل "قوميي المشرق العربي"، وأكثر "تقدميّة" و"علمية" من كل الشيوعيين العرب.
وهذا البعد السياسيّ يتمثّل بالتحديد في أنّ، وباستثناء الحالة التي يشكّلها "حزب الله" "حركة أمل" في الطائفة الشيعية، الطوائف والمناطق اللبنانية الأخرى كلها تجتمع على موقف متضامن مع الشعب السوريّ في مواجهة النظام السوريّ، وأنّ الثنائية المسيحية الإسلامية اللبنانية، إذ تعبئ نفسها، معزّزة بفوز الكورة، لخوض الانتخابات التشريعية المقبلة، فإنّها تطلق في هذا الآن بالتحديد، رصاصة الرحمة على مقولة "تحالف الأقليّات" المُحلَّى، بفتح الياء، بقشرة علمانية، والمُحلِّي، بكسر الياء، للمجازر!
الفرعية بهذا الحجم: الكورة تطلق رصاصة الرحمة على "تحالف الأقليّات"، انطلاقاً من فوز مرشح الكيانية الاستقلالية على مرشح النهضة، العلمانية، الاجتماعية، النقية، العلمية، المدرحية، المناقبية، التي تحلم بضمّ قبرص وكيليكية لكنها لا ترى ولا تسمع ما جرى في درعا وبابا عمرو والحولة والتريمسة.