اكتملت شروط المعركة الانتخابية في الكورة، بحشد حلفاء الفريقيْن المتخاصمين.
فقد صدر قرار ضمّ آخر المتلكّئين، أي العماد عون، إلى فريق " 8 آذار"، لأنّ المواجهة لا تحتمل الترف المحلّي، ولا الحرَد البلدي، ولا الحسابات " المياومة "، ولا تقويم كلام مع برّي و "حزب الله". بل هي معركة محور " الممانعة والمقاومة " ، من طهران إلى دمشق فالضاحية ، بل ربّما ، إلى موسكو وبكين وهانوي وهافانا وكاراكاس…
حرب عظيمة كيف لا ينخرط فيها عون ، الذي تضيق في عينه الحروب الصغيرة ، ولا يجد موقعه وحجمه إلاّ في الحروب الكبرى، الإقليميّة والدوليّة و…"الكونيّة"!
ولولا " كونيّة " هذه المعركة، لَما أغراه خوضُها وجازف في دخولها، في الربع الساعة الأخير!
إذاً ، باتت تصحّ تسمية المعركة بـ"عاميّة الكورة"، إذْ لم يبقَ أيّ طرف خارجها. والنتائج ستكون بالغة العبَر وعميقة الدلالات.
وبات من الممكن استشراف دروسها ، بغضّ النظر عن الرابح والخاسر (مع أنّ الاتجاه واضح ومحسوم):
1 – الدرس الأوّل هو أنّ ربط أيّ استحقاق لبناني بحلقة النظام السوري يؤدّي إلى خسارة الرابطين . لم يعُد نظام الأسد يشكّل رافعة أو سنداً قويّاً لأيّ حليف أو تابع لبناني . بل أصبح عبئاً على حامليه يودي بهم إلى الغرق معه .
2 – إنّ تحالف القومي – عون – فرنجيّه – كرامي – شعبان – فلول الشيوعي والبعث ، ووراءهم " حزب الله" وكلّ 8 آذار، يبتعد كثيراً عن نبض أهل الكورة ووجدانهم اللبناني ، بل يجافي تطلّعات اللبنانيّين في كلّ المناطق .
وهذا ظهَر جليّاً في ارتباك خطابهم السياسي ، وهزال شعاراتهم ، وعصبيّة اتّهاماتهم ، بما كشف علناً عودتهم إلى الماضي كوسيلة وحيدة للحشد والشحن ، مع افتقارهم إلى الطرح المستقبلي وإستجابة انتظارات الناس .
3 – إنّ الحالة التي تشكّلها 14 آذار في الكورة هي نسيج وطني واسع عابر للطوائف . ثبُت أنّها قائمة على أكثريّات الأرثوذكس والموارنة والسنّة ، مقابل حالة 8 آذار القائمة على أقلّيتين ، سنّيّة ومارونيّة ، وأكثريّة أرثوذكسيّة متآكلة من استحقاق إلى آخر لتهبط إلى ما دون ال 50% .
ومحاولة الحكّ على الماضي السنّي – المسيحي أعطت نتائج عكسيّة . ويشكّل التكامل المسيحي السنّي في الكورة نموذجاً متقدّماً في اختبار 14 آذار ، و" ثورة الأرز " .
4 – هذا الخلل في وضع 8 آذار يزداد حدّةً مع انتساب الأقليّة الشيعيّة والعلويّة في الكورة بشكل ساحق إليها ( 98 % في 6 قرى ) ، ما يشكّل عبئاً عليها من جهة ، وإنذاراُ ، من جهة أخرى ، ل " حزب الله و" أمل" في انعزالهما عن أكثريّات الطوائف ، ليس في الكورة فقط ، بل في كلّ لبنان . ولعلّ خطأ تجربة الكورة ، في التحام الشيعة بأقلّيات الطوائف ، يكون حافزاً لإعادة تقويم السياسة وخطورة الإنكفاء والتشرنق. ولا بدّ من أن يطرح الثنائي الشيعي على نفسه السؤال : ما هي مصلحة الشيعة في استعداء أكثريّات الطوائف ، وشراء أقليّاتها ؟
5 – مرّة أخرى ، تقدّم الكورة إثباتاً لسقوط العقائد العابرة للدول والقارّات : من الأمميّة الشيوعيّة ، إلى القوميّة البعثيّة ، إلى الهلاليّة السوريّة ، والهلاليّة الإيرانيّة الناشئة . ومن يراهن على أنّ الاسلام السياسي ، في الربيع العربي ، يتّجه إلى أمميّة جديدة عابرة للدول ، تحت مسمّى الخلافة أو الأصوليّة ، سيصدمه الواقع بما فيه من اتجاه واضح إلى غلبة الحداثة .
هذه تجربة مصر وتونس وليبيا واليمن ، وقبلها تركيّا ، وبعدها سوريّا ودول أخرى ، تؤكّد أنّ حالاتها الاسلاميّة بنات بيئتها ومتفاعلة مع العصر ، وطموح شعوبها التعاون تحت التنوّع ، وليس الاندماج . واللقاء المصري – السعودي الأخير خير دليل . فالوطنيّة أوّلاً ، ثمّ الوحدات والروابط الأوسع . وقد كان " لبنان أوّلاً " سبّاقاً في هذا المجال .
لا مكان مميّزاً ، في الكورة ، وسواها ، للأفكار الجامدة وأساطير العقائد والأحلام المستحيلة . ولا ينذهلنّ أحد بالنقلة النوعيّة في النموذج الكوراني .
استطلاعات بسيطة تُظهر إلى أين تتّجه الأجيال الطالعة .
ولا يُمكن إخفاء المعادلة الجديدة : حالة سياسيّة شبابيّة متجدّدة تعيش حاضرها وتبني مستقبلها ، وحالة حزبيّة هرمة تجترّ ماضيها وتدور حول أصنامها ، ثمّ تلتهمها .
يخسر حلف 8 آذار ، وسيخسر أكثر فأكثر ، بسبب اغترابه عن هموم الجيل ، ولاعتداده بقوّة السلاح والشعارات الخاوية والتصاقه بأنظمة مُبيدة وبائدة .
والشاطر من يراجع حسابه ويستلحق حاله ، قبل ضياع الفرص .
لا يشفع للسوري القومي الحفر في جروح الذاكرة ، لأنّ الحفر يؤذيه أكثر من سواه . فمن أتى بالغرباء ، سوريّين وفلسطينيّين ، إلى الكورة واجتاح معهم شكّا وارتكب مجزرتها ، وأقام خطوط تماس داخل الكورة، وأعلن حرباً على محيطها ، ونصَب حواجز خطْف وقتل لأبناء المنطقة ، خصوصاً لأبناء زغرتا ، لا يحقّ له وصف أكثريّة الكورانيّين بالغرباء والدخلاء والطارئين . وتحالفه اليوم مع ضحاياه لا يبرّئه من آثامه .
اليوم خمر . غداً أمر . وبعده ، كورة جديدة ، وما بعد بعده ، لبنان جديد .