كتبت صحيفة "النهار":
لعل أسوأ ما واكب التطور المفاجئ الذي أعاد الشارع وقطع الطرق الى صدارة المشهد اللبناني أمس، تمثل في رفع شعار نصرة الجيش ورفض المسّ بهيبته بالانتقام من الناس واسترهانهم.
ذلك أن ما شهده أوتوستراد جونية منذ السابعة مساء، عندما قطعته مجموعات من المتظاهرين باسم "أصدقاء الجيش" قرب ثكنة صربا في الاتجاهين، تسبب بمأساة حقيقية حوصر معها ألوف المواطنين في زحمة خانقة الى ما بعد منتصف الليل، وامتدت معها ارتال السيارات الى بيروت وجبيل في ظاهرة غير مسبوقة. حتى ان الطرق الفرعية سدت بدورها وبدا واضحاً أن الخطوة لم تكن بنت ساعتها.
وبمعزل عن مطلب إطلاق الضباط الثلاثة الذين أعيد توقيفهم في ملف حادث الكويخات، تجاوزت عملية قطع الأوتوستراد ساعات طويلة الالتباس الحاد الذي تسبب به قرار مجلس الوزراء اعادة التوسع في التحقيق في ملف الكويخات لتوحي بانفجارات كانت مكتومة بين السلطة السياسية والسلطة العسكرية، على رغم أن الجيش نأى بنفسه عن حركة "أصدقائه" وداعميه وتمنى عليهم فتح الطريق ثم عاد وساهم ليلاً في فتحها.
واذا كان اندفاع انصار "التيار الوطني الحر" وحضورهم اللافت بين المجموعات التي قطعت الطريق، وكذلك تصريحات نوابهم المشجعة للتحرك لوّنت هذا التطور بقرار عوني واضح بالنزول الى الشارع، وواكبه نزول مجموعات عونية لمواجهة "التمرد" الذي تطور أمس في قضية المياومين وحصول مواجهة بينهم وبين تلك المجموعات، فان ذلك رسم معالم مرحلة جديدة من الصراع داخل السلطة السياسية والحكومة يرتقب ان تترك انعكاسات فورية على المسار السياسي والحكومي.
لكن الجانب السلبي الذي برز بقوة مع قطع الأوتوستراد في الاتجاهين زهاء اربع ساعات، على نحو فاق بأثره الثقيل قطع طريق المطار قبل أسابيع، تمثل في مبارزة مكشوفة بين "الشوارع" واستعادة هذه الظاهرة على خلفية صراع حول الجيش سيأخذ مداه اليوم أيضاً مع الدعوة التي وجهها "التيار الوطني الحر" الى التظاهر في السادسة مساء من محلة المتحف في اتجاه المحكمة العسكرية "دعماً للجيش ودفاعاً عنه ورفضاً للحملات التي تشن على أفراده ضباطاً وجنوداً".
وقد اقترن قطع أوتوستراد جونية مع ما تسبب به من خنق لحركة السير واسترهان لألوف المواطنين على هذا الشريان الرئيسي، بقطع طرق أخرى في الدكوانة وسن الفيل ومستديرة جعيتا. وأفيد ليلاً عن قطع الاوتوستراد الساحلي في البترون باطارات مشتعلة في الاتجاهين وتحطيم سيارة أحد المارة مما أدى الى توقف الحركة في الاتجاهين. ولم تنجح الجهود الكثيفة في فتح مسلكي الاوتوستراد قرب صربا إلا قرابة الحادية عشرة والثلث ليلاً بعد مساع ومفاوضات تدخلت على اثرها القوى الأمنية والعسكرية وفتحت المسلكين.
مواجهة الكهرباء
هذا المشهد المأزوم لم يقتصر على قطع أوتوستراد جونية، بل تزامن مع صدام عنيف حصل أمام مبنى مؤسسة كهرباء لبنان بين مجموعات من ابناء بيروت تقدمها ممثلون لـ"التيار الوطني الحر" والمياومين المعتصمين في المبنى. وقد تظاهرت المجموعات رفضاً لاحتلال المؤسسة، فما كان من المياومين إلا أن صعّدوا تحرّكهم بنصب خيمة داخل مبنى المؤسسة. وحصل تراشق بالحجار بين الفريقين سرعان ما تطور الى عراك وتضارب بين المتظاهرين خارج المؤسسة وقوى الأمن الداخلي مما أدى الى وقوع اصابات من الفريقين. وهدد ممثلو "التيار الوطني الحر" بالعودة مرة أخرى وبدخول المؤسسة ما لم ينه "احتلال المؤسسة".
وسبق هذا التطور خروج مجلس ادارة المؤسسة عن صمته ودقه نافوس الخطر أمام الانهيار الذي تواجهه من جراء اعتصام المياومين في مبناها. وتقرر عقد اجتماع اليوم يضم وزراء الطاقة والداخلية والعدل للنظر في هذه الأزمة وطرق انهائها. وقال رئيس مجلس الادارة المدير العام لمؤسسة كهرباء لبنان كمال الحايك لـ"النهار" لن نبقى متفرجين على المؤسسة وهي تنهار بفعل الاعتصام والتداعيات التي يخلفها على عمل المرفق العام الذي يمنع القانون تعطيله أو اقفاله". وحذر من أن المؤسسة "على شفير الانهيار في حال استمرار الاعتصام". وسيعقد مجلس ادارة الكهرباء اجتماعاً غداً أو الخميس لاتخاذ الاجراءات المناسبة بغية انقاذ المؤسسة التي علم انها قد تعجز عن دفع رواتب الموظفين لشهر آب المقبل. وأوضح الحايك لـ"النهار" ان "خسارتنا من الجباية غير المحصلة بفعل الاضراب راوحت بين 250 ملياراً و300 مليار ليرة"، لافتاً الى ان تراكم الفواتير "سيرتب فوضى ادارية في اعادة تحصيلها فضلاً عما ستشكله من ضغط على المواطنين وسنحتاج الى سنة كاملة لاعادة تنظيم تلك الفوضى".
وأعربت أوساط معنية بأزمة الكهرباء عن اعتقادها أن ما جرى أمس حول مؤسسة كهرباء لبنان يعكس انفجار الصراع مجدداً بين العماد ميشال عون وبعض الافرقاء الحكوميين ولا سيما منهم حركة "أمل" في ملف المياومين.