#adsense

“الجمهورية”: أزمة قد لا تبقى صامتة بين الجيش والحكومة

حجم الخط

كتب أسعد بشارة في صحيفة "الجمهورية":

لم تمر إعادة توقيف الضباط الثلاثة تحت عنوان: التوسّع في التحقيق، مرور الكرام في المؤسسة العسكرية، كأنّ في رأي من يعرف جيداً قيادة هذه المؤسسة، من أراد إحراجها ودفعها إلى ما لا نيّة لديها لفِعله…

وهنا المقصود، لا نيّة بالتمرد على قرار سياسي أو حكم قضائي، ولا سماح ايضاً، وصولاً إلى درجة الرفض المطلق، للمَسّ بهَيبة الضباط والجنود والمؤسسة ومعنوياتها.

بعد توقيف الضباط الثلاثة، تيقنت المؤسسة العسكرية أن المؤسسة السياسية التي يفترض أن تحمي الجيش، خصوصاً أنها هي من كلّفته الحفاظ على الأمن في الداخل (أي الحكومة)، لم تكتف بالنأي بالنفس كما فعلت في الساعات الاولى لمقتل الشيخ احمد عبد الواحد، بل غادرت هذا الموقع سريعاً لتترك الجيش وجهاً لوجه مع أزمة لم يكن له يد في إشعالها، بدءاً من الفتيل الأول بطرابلس، وصولاً إلى ما حصل في عكار، الذي تحتفظ المؤسسة العسكرية فيه، وفق الاصول، بتحقيق شامل في مقتل الشيخ أحمد عبد الواحد ومرافقه، هذا التحقيق يروي قصة أخطر سبع ثوان وأدقها، قد تكون الاكثر تأثيراً في الجيش في ظرف صعب. هذه الثواني السبع التي حصلت فيها الكارثة، يرويها تحقيق الجيش الذي يتحفظ عن إعلانه، حرصاً على سلامة التحقيق، لكنها تكفي لإعطاء صورة مغايرة للرأي العام.

منذ التحقيق الاولي مع الضباط والعسكر الذين أطلقوا النار، ومن دون وجود محام، إلى قرار إخلاء سبيل الضباط وخمسة عسكريين في الثالث من تموز، إلى تحوّل الاعتراض على هذا الإخلاء تظاهرات وقطع طرق، كان الامر ليكون مفهوماً لدى الجيش. لكن قرار التوسع في التحقيق، الذي صدر عن الحكومة، أتى بالنسبة الى قيادة الجيش، على شكل وليمة معدة في مطبخ وزاري، كان همه الاول الانصياع لضغط الشارع، وتحقيق مكسب سياسي من رصيد المؤسسة العسكرية، ولو كان ذلك مناقضاً لواجب الحكومة في عدم التضحية بالمؤسسة العسكرية في متاهة المصلحة السياسية، لهذا السياسي او ذاك، حتى لو كان في موقع رئاسة الحكومة، أو حتى لو كان يتولّى وزارة العدل.

خلاصة ذلك كما حصل قبل انعقاد جلسة مجلس الوزراء، أن وزير العدل شكيب قرطباوي قد اتفق على إخراج تسوية "التوسع في التحقيق"، مع رئيس الحكومة نجيب ميقاتي، ولم يكن إلّا ميقاتي وقرطباوي يعرفان، أن هذه التسوية هي المدخل لإعادة توقيف الضباط، هذا مع العلم أن الضباط، خلافاً للعسكر، أوقفوا بجنحة (وليس جناية) إساءة استعمال السلطة ومخالفة التعليمات سنداً للمادتين 377 من قانون العقوبات، والمادة 166 من قانون القضاء العسكري، فيما أوقف العسكر بجرم إساءة استعمال السلطة، ومخالفة تعليمات وإطلاق نار، بموجب المادة 377 والمادة 550 معطوفة على المادة 560 من قانون العقوبات، والمادة 166 من قانون القضاء العسكري، وهو ما يعني انهم أوقفوا بجناية. وللمفارقة أدّى التوسّع في التحقيق إلى إعادة توقيف من افرج عنهم بجنحة (الضباط)، وعدم توقيف من ادعي عليهم بجناية. وللمفارقة ثانياً أن الضباط الذين أوقفوا بعد التوسّع، لم يسألهم قاضي التحقيق أي سؤال جديد في الملف يبرّر التوسّع (وهو ما يمليه عليه القانون). وللمفارقة ثالثاً ان إعادة التوقيف حصلت في توقيت زمني أملى وضع الملف في الأدراج إلى ما بعد العطلة القضائية، خصوصاً أن القاضي ابو غيدا يعتزم السفر للإجازة.

لدى المؤسسة العسكرية ما هو أبعد من الشعور بالعتب والمرارة، من جراء تسوية "التوسع"، التي مررها رئيس الحكومة ووزير العدل، وعلى رئيس تكتل التغيير والاصلاح النائب ميشال عون الذي هو مرجعية وزير العدل، وسواء كان يعرف او لا يعرف ان هذه التسوية ستؤدي إلى توقيف الضباط، فإنّ النتيجة كانت أن وزيره المعني ووزراءه العشرة لم يكن يفترض بهم أن يوافقوا على مرورها في مجلس الوزراء، ليعود مناصروه ويشاركوا في قطع الطريق في صربا احتجاجاً على قرار صدر عن حكومة له فيها القدرة على التعطيل.

ولدى المؤسسة العسكرية ما هو أبعد من الشعور بالعتب والمرارة، لأن ما تناهى اليها من معلومات أكد أن التسوية تم تمريرها بخبث، ولأن وزير العدل اتصل بمفوض الحكومة لدى المحكمة العسكرية، قبل انعقاد جلسة مجلس الوزراء، طالباً "التوسع"، فيما كان القاضي صقر يعارض هذا الإجراء كون التحقيق انتهى، وكون الملف أصبح لديه للمطالعة.

لدى المؤسسة العسكرية ما هو أبعد من الشعور بالعتب والمرارة، وما كان يفترض أن يؤدي إلى تداعيات غير عادية، بسبب تعمد رئيس الحكومة ووزير العدل، اتخاذ القرار "بالتوسع" من دون انتظار الاجتماع مع قائد الجيش العماد جان قهوجي، الذي ما ان تم الاجتماع به حتى أُعلم بالتسوية، ولم تتم مصارحته بأنها ستكون مدخلاً إلى توقيف الضباط، بل تم الإيحاء بأن هذا التوسع في التحقيق يهدف فقط، إلى تفادي كأس الإحالة إلى المجلس العدلي، ليتبين بعدها لقهوجي أن الاجتماع به وإعلامه المسبق لم يكن اكثر من فخ سياسي، لنيل غطاء من القيادة لم تعطه في قضية إعادة توقيف الضباط.

لا يكفي بالنسبة الى المؤسسة العسكرية وصف ما قامت به الحكومة بأنه امتناع عن تحمل المسؤولية في حماية الجيش، بل يمكن الذهاب في نظرها إلى حد اتهام من قرّر التوسع، بأنه اراد نقل مشكلته إلى داخل المؤسسة العسكرية، ولكن من فعل ذلك عليه ألّا ينسى ان القيادة تعتبر أن كرامة المؤسسة وهيبتها، كما التزامها القانون، وحدة لا تتجزأ، بدءاً من التعاطي مع العسكريين والضباط من كل الرتب، وصولاً إلى رأس القيادة التي باتت تتساءل عن مدى قدرة الحكومة، بل رغبتها بكلّ مكوّناتها، في الحفاظ على العمود الفقري الذي يضمن الامن والاستقرار في لبنان.
 

المصدر:
صحيفة الجمهورية

خبر عاجل