ليست موفّقة هذه الحملة من اللافتات التي تدّعي الدفاع عن الجيش اللبناني، وتشهر إحتكار محبته. كما لم تكن موفقة الدعوة إلى تظاهرة إعلان التضامن معه. وفي الحالتين عمل سياسي رخيص يفتعل إنقساماً، يذكر بتظاهرة مهدت، مع غيرها من الأحداث، عام 1975، لشق الجيش وجعله طرفاً في حرب تعددت وجوهها وتراكبت.
يعرف المعنيون أن اللبنانيين قد يختلفون على كل الأمور، لكنهم يصابون جميعاً بالوجل والقلق إذا ما بلغ النقاش موقع الجيش، لإيمانهم بأنه ركن أساسي في وجود الدولة ووحدة مصيرهم. وهم يميزون بين القرار السياسي الذي يقوده، والدور الذي هو مؤهل له. وإذا داخل الشك البعض في الأول، فإنه ينأى عنه في الثاني. وإذا كانت الوقائع الدموية للحرب اللبنانية ألغت، بالإجتياح الإسرائيلي عام 1982، معادلة أن الجيش اللبناني هو لحماية المسيحيين، بينما المقاومة الفلسطينية هي لحماية المسلمين، فإنّ اللبنانيين إستخلصوا أن أفدح أمائر تهاوي الدولة هو في اهتزاز الثقة الإجماعية في المؤسسة العسكرية قبل غيرها، فلم يتأخروا في الإتحاد حولها فور إعادة بنائها، ورفض جلهم أن يشرك في سلطتها ودورها أي طرف آخر، ويريدونها مؤسسة تحترم القانون وتعلو على أثلام الطائفية والمذهبية والمناطقية، وآثام الانقسامات، ويكذّبون، حتى ذواتهم، حين تلمح شبهة انحراف فيها في اتجاه واحدة من هذه العلل.
واللبنانيون يرون هيبة جيشهم في تقديسه سلطة القانون والدستور، وهو ما تجلى في 14 آذار 2005، يوم كسر سطوة الوصاية واحترم حريتهم في التعبير عن توقهم إلى الاستقلال والسيادة الوطنية، ثم أتم هيبته في تصديه لخروق اسرائيل السيادة اللبنانية. وهو إجماع لا يخفّف وهجه سعي بعضهم إلى فرض شريك له خارج قرار الدولة اللبنانية، في استراتيجية إقليمية لا إجماع وطنيا على تأييدها، ولا مصلحة.
عرف الجيش بـ"الصامت الأكبر" منذ ولادة الجمهورية، فأضاف إلى هيبته تقديرا لم يهتز إلا يوم تحول طرفا في اللعبة السياسية إثر فشل الإنقلاب الذي خطط له الحزب السوري القومي الإجتماعي في الأول من كانون الثاني 1962. يومها خرجت اللافتات في شوارع بيروت وكل المدن والقرى، في دفاع ساذج عمن لم يكن في حاجة إلى من يدافع عنه، كما ظهرت "مفاتيح" الأحياء من عسس وقبضايات، فتهشمت صورة المنقذ لتحل محلها صورة المستتبَع والزعيم، وزاد في الإساءة تعامل بعض اللبنانيين معه على أنه جيشهم وحدهم دون الآخرين.
اليوم، وفي ظروف مغايرة تماما، تثبت لافتات التأييد للجيش، وإن حسنت نيات أصحابها، أن البعض قاصر عن استيعاب عبر الماضي، أو متآمر يريد استغلال الانفعالات التي تبدت في الشمال وذوت في مكانها، حين استعاد العقل موقعه في منطقة ينذر أولادها للجيش قبل أن يولدوا، ومن دون حاجة إلى لافتات.