#dfp #adsense

على “شفير” .. الضاحية

حجم الخط

يرفض "يوسف" كغيره من أبناء عائلات برج البراجنة الأصيلة، اختزال بلدات ساحل المتن الجنوبي بتسمية الضاحية الجنوبية، ويعتبر تعميم هذه التسمية تعدياً على تاريخ المنطقة وإلغاء لخصوصياتها. يشير "يوسف" أثناء عبورنا وسط ساحة البرج الشهيرة التي احتضنت قبل زمن التحول المستجد في المفاهيم والقيم والعادات، تمثالاً لحبيب الملايين جمال عبد الناصر، إلى صورة لمرشد الثورة الإيرانية الإمام الخميني، وصور أخرى تدل على الخط السياسي ذاته، احتلت مساحة الرؤية في المكان، ويؤكد أن ظاهر الأمور في هذه المنطقة لا يعكس باطنها، فالهيمنة على شوارعها لا تنسحب بالضرورة على أجوائها، مهما تفوقت قدرة المسيطر وتعاظمت.

عائلات هذه المنطقة كما بلداتها، ما زالت منذ عهد الاستقلال تواجه محواً تدريجياً في هويتها المحلية وتشويهاً في معالمها الجغرافية، بدأ مع أول حركات النزوح لسكان الأرياف النائية من الطائفة الشيعية، الذي حمل طابعاً اقتصادياً في ذلك الوقت، وبلغ ذروته مطلع الثمانينات مع بداية تشكيل حزب الله، و تحول إلى حضور سياسي. بفضل ذلك صارت بلدات ساحل المتن الجنوبي مثل حارة حريك، الغبيري، برج البراجنة، المريجة، الليلكي، التحويطة، الرويس، المعمورة…. أو ما يعرف حالياً بالضاحية الجنوبية لبيروت من أكثر المناطق اللبنانية إثارة للجدل، في التناقض الحاصل ما بين ماضيها وحاضرها، كذلك ما بين صورتها في أذهان اللبنانيين وتفاصيل حياتها اليومية.

في ما مضى كان لهذه البلدات طابعها الاجتماعي والمعيشي الخاص، كانت خاصرة خضراء ريانة على تخوم العاصمة، أهلها يعتاشون من الزراعة، ريفيون بنكهة مدنية، ما زالت بعض البساتين المهجورة التي نجت من غزو الإسمنت العشوائي شاهدة على ذلك، خصوصاً لجهة حارة حريك ذات الغالبية المسيحية، بين كنائسها وجوامعها وروادهما ألفة حقيقية، نابعة من سجية وطنية راسخة، بعيدة كل البعد عن الاستعراضات التحالفية التي يسوق لها هذه الأيام. تنقسم عائلات ساحل المتن الجنوبي إلى أصيلة ووافدة، العائلات الأصيلة خليط من الطوائف اللبنانية كلها، أما الوافدة فهي شيعية بأكثريتها، العائلات الوافدة تنقسم بدورها إلى بقاعية وجنوبية، إضافة إلى بعض العائلات الشيعية القادمة من جرود جبيل (آل المقداد). مع بداية نزوح هذه العائلات بدأت ملامح التغيير الديمغرافي تظهر في مجتمع المنطقة، الاحتلال الإسرائيلي لمناطق واسعة من الجنوب والبقاع كان السبب الأول في ذلك، يليه الحرب الأهلية، إضافة إلى الهجرات الاقتصادية، وربما لهذه الأسباب حصلت حركة النزوح المسيحي العكسية أيضاً. اليوم عدا أن بلدات ساحل المتن الجنوبي وعائلاتها الأصيلة، أضاعت أسماءها المستقلة ونسيجها الاجتماعي الخاص، وتحولت إلى غيتو طائفي، هي تُمنى يومياً بخسائر معنوية، على صعيد انتمائها الوطني وسمعتها الاجتماعية والأخلاقية.

حسب الإحصاءات غير الرسمية يدنو عدد سكان الضاحية من المليون نسمة، ضمن مساحة جغرافية لا تتسع لنصفهم، الاكتظاظ السكاني الشيعي هذا، أمن لـ"حزب الله" كثافة سياسية لم يحظ بها حزب آخر في تاريخ الأحزاب اللبنانية، انطلاقاً من هذا الواقع تعتبر الضاحية خزان حزب الله البشري والأمني والسياسي والأيديولوجي، ولذلك قال يوماً أمينه العام السيد حسن نصر الله "الضاحية بخير… حزب الله بخير"، لكن هذه الأيام يبدو أن الضاحية لم تعد بخير، فهل هذا ينسحب على "حزب الله" أيضاً؟. حسب ما تشير الأحداث وما تتناقله وسائل الإعلام وما ينقله المقيمون، لا شيء في الضاحية يبشر بالخير، على صعيد الأمن والنظام والأخلاقيات وحتى التدين، فأين حزب الله من هذا الالتباس؟ وهذه الفوضى التي كان سبباً مباشراً في نشرها وتعميمها؟ وهل تنفع الصور والأعلام والشعارات التي تسيطر على فضاء الضاحية، في ترميم هيبة الحزب وتلميع صورته في أذهان سكان الضاحية، بعد أن وقع في المحظور؟. والمحظور الذي وقع فيه هو طرح نفسه كبديل من الدولة في هذه المنطقة بالذات، مستعيناً بعصب طائفي مشدود إلى وتر المقاومة التي اختزلت لاحقاً بمفردة السلاح، بهذا السلاح استقوى على أشقائه اللبنانيين، وبهذا السلاح أيضاً أفسد بيئته الحاضنة، وطنياً وأمنياً، فلا عجب أن تعم الضاحية فوضى السلاح، وتشهد مناطقها حروب شوارع تذكر بأيام الحرب الأهلية السيئة الذكر، لكن العجب في أن من يشهر السلاح في وجه "حزب الله" في الضاحية هي العائلات التي شكلت حضناً له يوماً من الأيام. المواجهات العسكرية التي تندلع بشكل شبه يومي في الضاحية بين الحزب من جهة وما صار يُعرف بالعائلات من جهة أخرى، أو بين العائلات نفسها، ليست وليدة الصدفة، أو نتيجة خلافات عادية، الوقائع والحقائق تؤشر إلى ما هو أشد تعقيداً من ذلك. فالعائلات في ما بينها تتصارع على النفوذ داخل الأحياء، انطلاقاً من عقد عشائرية فوقية، وكذلك من أجل الاستحواذ على الصفقات التجارية المربحة التي تعقد مع تجار في "حزب الله"، هذا من ناحية، من ناحية أخرى استعان الحزب في وقت سابق بأبناء هذه العائلات في عمليات شراء السلاح ونقله، لسببين، أولاً: لعدم تمكن رجاله من السفر خشية تعرضهم للاعتقال، ثانياً: طمعاً في مرضاتهم، كونهم يشكلون ثقلاً انتخابياً في مواطنهم الأصلية، وحضوراً لا يمكن تجاوزه في موطنهم البديل، فأعطاهم بذلك ومن حيث لا يدري سلطة موازية لسلطته، وعلمهم "من أين تؤكل الكتف"، فتمكنوا من معرفة نقاط ضعفه، وعملوا على استغلالها. هذا إضافة إلى بعض أبناء هذه العائلات الذين اندفعوا بصدق وشفافية لخدمة "حزب الله" أو المقاومة في هذا الشأن في البداية – وناقل الكفر ليس بكافر- واكتشفوا أنهم يتعاملون مع تجار لا يقلون جشعاً عن غيرهم، وأن المقاومة بنظرهم مادة للتسويق الإعلاني، يستخدمونها عند الحاجة لمراكمة رؤوس أموالهم الخاصة.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل