#dfp #adsense

“بناء السلام” في تقرير أوروبي: الاصلاح باللامركزية ومجلس الشيوخ… لعقد اجتماعي جديد وتسوية نزاعات الحدود ديبلوماسيا

حجم الخط

كتبت ريتا صفير في صحيفة "النهار":

بعد اكثر من 23 عاما على وضع اتفاق الطائف، لم يستطع النموذج اللبناني المعمول به لتقاسم السلطة توفير استقرار لفترات طويلة الامد. ورغم انجازات الاعوام الاخيرة، ولاسيما على مستوى اعادة الاعمار واجراء الاستحقاقات الدستورية في مواعيدها واستئناف الحوار، فان تحديات عدة ما زالت تحول دون الوصول الى سلام طويل الامد او متوازن.

انطلاقا من هذه المعطيات وغيرها، دخلت الحالة اللبنانية "على خط" اهتمام المنظمات والهيئات الدولية المعنية ببناء السلام وحل النزاعات عبر العالم. فشكلت عبر تقرير اعدته "موارد للوفاق" ومقرها لندن بالتعاون مع "المركز اللبناني للدراسات" موضع معالجة عبر3 محاور رئيسية تتعلق بالواقع اللبناني ركزت على المصالحة، والاصلاح السياسي والمؤسساتي وتقرير المصير.

طبعاً، لا تبدو تجربة النزاع اللبناني وتداعياتها "فريدة من نوعها" من وجهة النظر الغربية عموما والاوروبية تحديدا. فثمة 18 تحليلا لـ18 حالة نزاع قائمة حول العالم تنكب عليها المنظمات الدولية بغية استخلاص العبر، ويبقى الهدف منها تحقيق "ربط" بين عواصم القرار ومناقشي السياسات في بروكسيل ونيويورك من جهة والتجربة المحلية الميدانية للشعوب من جهة اخرى، على قول مدير "موارد للوفاق" ديفيد نيوتن. من هنا، حمل الاصدار اللبناني الذي حظي بتمويل من الاتحاد الاوروبي الرقم 24، ضمن سلسلة اصدارات تناولت النزاعات في مناطق كالقوقاز وكولومبيا والكونغو وفيجي وليبيريا وباكستان وجنوب السودان، فيما مثلت المساهمة الاوروبية في المبادرة "جزءا من جهد يروج له الاتحاد بغية زيادة قدرة اللبنانيين على تحليل الصراع ومنع الانتكاسات" و"ابراز وجهات نظر الشعوب في بناء السلام" بتعبير ممثل البعثة الاوروبية دوتشيو بانديني.

ولأن السعي الى "تدويل" الدروس المستقاة من النزاعات يترافق مع اعتراف غربي مفاده ان اي تعميم في هذا الشأن يبقى غير دقيق اذا لم يأخذ في الاعتبار العناصر المحلية والميدانية الخاصة بالواقع اللبناني، فقد ارتكز التقرير اللبناني على لقاءات ومقابلات اجريت مع 30 شخصية محلية واجنبية ومن كل الانتماءات على صلة بالحالة اللبنانية. وافضت، كما قال ناشر الدراسات الكسندر رامسبوتام، الى تشخيص مجموعة اولويات من شأنها المساهمة في تحقيق التغيير. يأتي ضمنها تعامل لبنان مع ماضيه، وتحقيق مشاركة فاعلة للفئات والشروع في الاصلاح كانشاء مجلس شيوخ من المذاهب لاتخاذ تدابير الغاء الطائفية من البرلمان وتطبيق اللامركزية.

ما هي ابرز الاستنتاجات التي خلص اليها التقرير عن "السلام الايجابي" في لبنان والذي اطلق امس في فندق "مونرو" في بيروت؟

لحظ التقرير انه، تم حل الميليشيات ونزع سلاحها واعادة دمجها في المجتمع بطريقة تدريجية وانتقائية، و"حزب الله" خير دليل على ذلك. ورغم اعادة تنظيم القوات المسلحة، الا ان التوترات الطائفية والاولويات المتضاربة اضعفت دورها بشدة.

تشير التظاهرات ضد الطائفية عام 2011 وبإلهام من "الربيع العربي" الى الاستياء الشعبي من الوضع السياسي. الا ان قدرة تحالفي 8 و14 آذار على قَسْم المتظاهرين كشف النقاب عن ضعف المجتمع المدني. من الضروري ارساء عقد اجتماعي يحمل اللبنانيين على الثقة بالدولة، فيعولون بدرجة اقل على الجماعات الطائفية والمذهبية في لبنان او خارجه.

يعتبر الاصلاح السياسي الشامل ضروريا لتغيير الديموقراطية اللبنانية والتي اكتشف كثر انها سطحية لاسيما لجهة نكران حقوق الانسان وخصوصا اللاجئين الفلسطينيين وعدم المساواة بين الجنسين. ويفتقر النظام السياسي وعلى رأسه "الترويكا" الى فعالية ويمكن ان يكون حافزاً للصراع.

ثمة اجماع على ان معادلة تقاسم النفوذ بين الطوائف عبر اتفاق الطائف ترسخ تمثيلا غير عادل ويسهل على القادة الراغبين في حماية امتيازاتهم اعاقة الاصلاحات. من هنا، تبرز 3 مجالات اصلاح اساسية لبناء شرعية الدولة هي: الحد من التوترات بسبب عدم المساواة الاقتصادية وضمان وصول عادل الى الخدمات وتحقيق اللامركزية السياسية. لا بد من تنفيذ الاصلاحات في اسرع وقت، كجزء من الانتخابات النيابية المقررة سنة 2013، وتتمثل نقطة الانطلاق في اصلاحات "لجنة فؤاد بطرس".

يدفع الضعف في قدرة المؤسسات على ادارة الصراع القادة الى الالتفات الى الدول المجاورة طلبا للحماية. وتصف الجماعات الروابط والعلاقات الخارجية على انها غير قابلة للتفاوض، كما هي الحال بالنسبة الى تحالف 8 آذار وارتباط "حزب الله" بسوريا وايران او معاداة 14 آذار لسوريا وتمسكه بالغرب.

يمثل الوجود المتوازي لجيش وطني كبير الحجم انما ضعيف مع ميليشيا "حزب الله" الصغيرة الحجم لكنها شديدة التسلح تحديا في وجه السيادة، في وقت يشهد لبنان تهديدات لامنه القومي بسبب الاضطرابات الاقليمية والمقاتلين الاسلاميين والتدخلات الاسرائيلية والاملاءات السورية.

ويبدو سلاح "حزب الله" مشكلة اساسية تشل التغيير وحلها مرتبط بالانفراج على الجبهة السورية – الاسرائيلية والفلسطينية – الاسرائيلية. كما ان الحدود البرية والبحرية المتنازع عليها والسهلة الاختراق يمكن ان تشعل العنف السياسي. وتوفر حدود لبنان مع سوريا قناة لنقل السلاح غير الشرعي في الاتجاهين، فيما يبقى خطر امتداد النزاع السوري الى المناطق الشمالية قائماً لاسيما في احياء طرابلس السنية – العلوية واجزاء من بيروت.

لقد عملت المحكمة الخاصة بلبنان وفقا للاولويات الدولية بقدر ما تقيدت بالحاجات والوقائع المحلية. وهي عجزت عن الفصل بين التحديات الداخلية والخارجية المحيطة بالاغتيال. وتواجه المحكمة خطر التحول محورا لعدم الاستقرار ولاسيما ان تحالفي 8 و14 آذار يستخدمانها لتقويض شرعية الآخر في الحكم. وختاما، ينبغي على الشركاء الدوليين والاقليميين دعم السيادة اللبنانية عبر السعي الى التوصل الى حل عادل للصراعين الاسرائيلي – الفلسطيني والاسرائيلي – السوري ومساعدة لبنان على بسط سلطته على اراضيه. ويعني ذلك العمل مع اسرائيل وسوريا لتسوية النزاعات على الحدود عبر العمل الديبلوماسي المنسق وتوفير الدعم الفني في ترسيم الحدود.

ومن شأن تبدل السلطة في دمشق – رغم انطوائه على اخطار وعدم القدرة على توقعه – ان يحقق على المدى الطويل تحرير مساحة للاحزاب ولاسيما "حزب الله"، فتركز اكثر على الاولويات الداخلية.

المصدر:
النهار

خبر عاجل