كثيرةٌ هي الأمثال التي تتكلم عن إخفاءِ الأشياءِ الكبيرةِ بالصَغيرةِ والواضِحةِ بالمُبهمةِ والمكشوفةِ بالمَستورةِ، وذلكَ لأسبابٍ عدة أهَمّها التغطية على الفاعل الحقيقي.
منذُ سنة 1990 تاريخ دُخول القوات السورية الى المناطق الشرقية (بعدَ أن مهَّدَ لهُم الطريق أحد "أذكى" عُمَلائهم) وَقَعَ لبنان تحتَ قبضةِ أجهزةِ المخابرات السورية وملحقاتها اللبنانية حتى أصبحَ الأمن ممسوكاً بيدٍ من حديد، فسَيطروا على كلِّ شيءٍ في البلد من رئيس الجمهورية الى مجلس الوزراء الى أصغر موظف في الدولة اللبنانية.
لن نتطرق الى موضوع الصَفقات والسَمسَرات التي كلّفَت الدولة اللبنانية مليارات الدولارات والتي تقاسموها مع المسؤولين اللبنانيين آنذاك، ولا الى موضوع السياسة الداخلية والخارجية، ولا الى موضوع تَفريغ الإدارة من المسيحيين والسيطَرة على مواقِعِهِم، فهذه مواضيع كبيرة وخطيرة وتطال رؤوساً كثيرةً وهي ليست موضوع هذا المقال وسنكتفي بالتطَرُق الى الوضع الأمني.
كانت أجهزة المخابرات تُحَظّر وتسمح بما يناسبُها في السياسة والاعلام والاقتصاد وكل ما في الدولة وحتى سَنّ القوانين في مجلس النواب والتمديد لرؤساء الجمهورية. فكان كل ما اجتمع إثنان كان شيطان المخابرات ثالثهما، فأصبَحَت كلّ المناطق وكلّ المجوعات السياسية والأقتصادية والمجتمع المدني تحت أعينهم. الوضع ممسوك أمنياً طبعاً، ما عدا الجرائم التي يقوم بها حلفاؤهُم، فتبقى مجهولة الفاعلين وتختفي كلّ الخيوط التي يُمكن أن تساعد التحقيق على كشفِها حفاظاً على هويتِهِم وسمعتِهِم، ولكن ويا للأسف فَلِكُلِ شيءٍ نهاية وما من ظالم إلّا وسيبلى بأظلم.
بَعد محاولة إغتيال النائب مروان حمادة، صُوِبَت كلّ أصابعِ الإتهام الى السوريين، وعند اغتيال الرئيس الحريري كان الإتّهام للسوريين واضحاً حتى من بعض حلفائهم الجدد، ولَعَلَ أوضَحَ اتهام جاءَ على لسان السيء الذكر عندما قال:"الله ييحمو (يرحمو) منحزن يومين تلاتة وبعدا البلد بدو يمشي". هكذا كانت حساباتهم.
بعدَ انسحاب السوريين في نيسان 2005 إستمرت الاغتيالات والتفجيرات، والكلُّ يَعلم أنَّ الأدوات السورية في لبنان هي المسؤولة عنها، خدمةً لها ولولي أمرها. فما كان يُقال في السرّ من قَبل، أصبَحَ يُقال في العَلَن جهاراً وعلى الشاشات، خاصةً بعد انفجار العُبوة التي أودَت بحياة شابين في أنطلياس ومحاولة إغتيال الدكتور جعجع ومحاولة حَرق تلفزيون "الجديد" وأخيراً – ونتمنى أن يكونَ آخِراً – محاولة إغتيال النائب بطرس حرب. فهذه عمليات تحتاج الى إمكانات لوجستية وعملانية وإستخباراتية كبيرة جداً مما يَجعل الفاعِل واضحاً والاهداف واضحةً والمستفيد أكثر من واضحٍ أيضاً.
عندما كنتُ صغيراً كان أحد الكبار في السن يُخبِرُنا قِصَصاً من بعضِ الكتب القديمة، منها كتابٌ إسمه "الجفر" الذي يتكلم عن حروب دينية ومذهبية سَتَحصُل في لبنان وفي سَهل البقاع وسَيذهب ضحيتها الآلاف وتكون كارثيةً على مُستقبلِ أحدِ المذاهبِ اللبنانية، وهي رواية طويلة فيها الكثير من القَتلِ والدِماءِ والمآسي. ولكن وللأسَف وبَعدَ البحثِ الطويل لَم أنجَح في أيجادِ نَسخةٍ من هذا الكتاب القديم والنادر جداً للإضطلاعِ على تفاصيلِ هذه الرواية.
بناءً على ما تقدم، ومن حِرصِنا على أن يبقى لبنان بلداً متنوعاً غنياً بكلِ طوائفهِ ومذاهبهِ وبقدراتِ جميعِ أبنائهِ، يَسعونَ جميعاً الى قيامِ دولةٍ مدنيةٍ يُحتَرَمُ فيها الإنسان وحقوقه من دونِ أيّ تفرقة دينية، مذهبية، اجتماعية او مناطقية، نسأل قيادتي "أمل" و"حزب الله"، هل تُدرِكونَ أنّكُم وبالسياسة التي تُمارسونها، تَضَعونَ الطائفة الشيعيةَ في مُواجهةٍ مباشرةٍ معَ الطوائفِ اللبنانية الأخرى!
ماذا سَيحصُل عندما يَسقُط بشار الأسد ونِظامِه؟ وبِغَضّ النظَر عن البديل، فبِأحسَنِ الأحوال سَيكون بِمواجهةٍ كبيرةٍ مَعكُم من جراءِ دَعمِكُم هذا النظام وإجرامه.
لماذا تَزرَعونَ كل هذا الحقد بينَكُم وبينَ الآخرين؟ ألا تُدرِكونَ أنّه يَستمر لعَشراتِ السنين، ومن الصعبِ جداً مَحوهُ من النفوسِ والأذهان؟ ألا تَعلمون أنّ ما طارَ طيرٌ وارتفعَ إلا وكما طارَ وقَع؟ ولكن لم يَفُتِ الأوانُ بعد، فَكُفّوا عن إستكبارِكُم رَحمةً باتباعِكُم وأبناءِ طائفَتِكُم، فأنتُم تقودونَهُم الى الهلاكِ المُحَتّم.
كُفّوا عن تَعاليكُم، فَبأحسَن الأحوال أنتم مثلكُم مثلَ الآخرين.
أعيدوا حساباتِكُم وتعالوا لنَبنيَ وطناً للجميع نَعيشُ فيه كُلّنا تحتَ سقفِ دولةٍ واحدةٍ يكون ولائنا لها مهما كان الذي يجري خارجَ حُدودها.
أعيدوا حساباتِكُم فنحنُ كنّا وما زلنا وسنبقى هنا الى أبدِ الآبدين آمين، وما من حلٍّ أمامكُم إلّا العيشَ مع الآخَرينَ سوياً يكون القانون فقط الحَكَم بيننا.
أللهُم أشهدُ أنّي بلّغتُ ونَصحت.