عاد مقعد "القوات" في الكورة إلى "القوات" بعد معركة صوّرها الإعلام عالمية. لكن نتائج الاقتراع تقود كالعادة إلى استنتاجات وأسئلة سياسية عما بعد.
يصرّ فريق 14 آذار على أن خصمه 8 آذار خاض انتخابات الكورة الفرعية بكل ما ملكت يداه في السياسة والإمكانات على غرار الإنتخابات الشاملة عامي 2005 و2009 وأكثر. يسترسل المشرفون على الماكينة الانتخابية لهذا الفريق في عرض مخالفات "الفريق الآخر" بدءاً من "المرآة الإلكترونية" لمحاكاة موقع للمرشح آنذاك، النائب فادي كرم ونسب تصريحات إليه تجفّل الناخبين السنّة وفحواها أنه سيفوز بأصواتهم ومن دونها، إلى استخدام المال في البيئة السنية وضغوط من أفرقاء سنّة شماليين في حكومة الرئيس نجيب ميقاتي أنتجت خفضاً في أعداد المقترعين وصل إلى نحو ألف صوت، لكن "تيار المستقبل" حافظ على تمثيله 65 في المئة من أصوات هذه البيئة فثبّت أنه ممثل غالبيتها مهما تكن ظروفه وأوضاعه التي اختلفت عن السابق في غياب الرئيس سعد الحريري عن البلاد.
لا يغيب عن محللي النتائج من 14 آذار أن الحزب السوري القومي الإجتماعي خاض معركة حماية آخر معاقله في المنطقة التي سيطر عليها 30 عاماً مع حلفاء له بفعل الحرب ومفاعيلها، وأن حزب سعادة لم يستطع تقديم خطاب سياسي من خارج مفردات الحرب لمواكبة المرحلة. وحتى في أميون تراجع عدد الأصوات التي نالها مرشحه الدكتور وليد العازار 100 صوت بما يناقض كلام القومي على تقدم كبير حققه في المدينة. مع الإعتراف بأن النائب الجديد كرم نال في مسقطه أصواتاً أقل بـ100 أيضاً من سلفه النائب الراحل فريد حبيب في آخر انتخابات عامة. يُضيف المشرفون- المحللون إلى استنتاجاتهم أن النائب السابق سليم سعادة دعم العازار بأصوات مؤيديه بعد ظهر الأحد كي يحافظ على موقعه فيها. لم يُضف ترشيح كرم أصواتاً إلى معركة "القوات" الإنتخابية مما يعني في حسبانهم أن الدافع إلى ترشيحه هو النزول عند إرادة القاعدة التي اختارته في عملية الشورى، وإلا لكان حزب "القوات" اختار مرشحاً من قلب أميون وليس من قرية كفرصارون المجاورة.
يركز هؤلاء على تقدم كبير من 42 في المئة عام 2009 إلى 48 في المئة حققته "القوات" عبر مرشحها كرم في البيئة الأرثوذكسية، وعن صعود من 67 في المئة إلى 72 في المئة في الأقلام المارونية. ليبنوا على ذلك أن ثمة تغيراً في المزاج العام سينسحب على كل البيئة المارونية في جبل لبنان سنة 2013. فالمعركة الآتية ستكون تحت شعار الحرية "ومن مع بشار ومن ضده" إذا كان الرئيس السوري لا يزال في الحكم طبعا. لا يشارك سياسيون من 14 آذار في هذا الرأي ويلفتون إلى أن الخصم الرئيسي في جبل لبنان هو الجنرال ميشال عون الذي كان وزن أنصاره ضامراً في فرعية الكورة على نحو لافت، لكنهم يوافقون على الشعار المفترض لانتخابات 2013 ويتوقعون تداعيات شديدة السلبية على "التيار العوني" في حال انهيار النظام السوري الذي تحالف معه الجنرال. وتوقف بعضهم عند غياب حزب الكتائب في الكورة وأسبابه.
تؤكد ماكينة نائب رئيس مجلس النواب فريد مكاري تعلّق مؤيدي 14 آذار بمبادئها وتقرّ بـ"شيء من التراخي في الوسط السني" لغياب الرئيس الحريري وأيضاً تراجع بعض الخدمات لأسباب اضطرارية. تعيد إلى جهدها التقدّم في الأقلام الأرثوذكسية، وأيضاً إلى عمل ماكينة "القوات" الجيّد والمنسق والذي أثمر بوضوح في الأقلام المارونية. وتلاحظ كذلك أن الحزب القومي برهن ثبات قاعدته في معزل عن حضور النائب السابق سليم سعادة ولهذه النتيجة دلالاتها، وإن لم يتمكن الحزب التاريخي في المنطقة من تسجيل تقدم. وتتوقف بعد تأكيد اندفاع تياري "المردة" و"العونيين" عند التصويت المتمادي في رفض الآخر" على ما بيّنت نتائج الأقلام الشيعية والعلوية.
تقر ماكينة مكاري بأنها كانت تتوقع فارقاً لمصلحة الدكتور كرم بنحو 2500 صوت وبأن الهبوط كان سببه النقص في الصوت السني. لتعتبر في تحليلها لتوجه الأصوات المارونية أن "التيار العوني" لم يعد موجوداً في الكورة… تقريباً.
اما ماكينة الحزب السوري القومي الإجتماعي فتفخر بالنتيجة التي تحققت: "خضناها معركة باللحم الحي"، على ما يقول مرشح المعركة الدكتور وليد العازار. وتتحدث عن استقدام مغتربين من أوستراليا بأعداد هائلة وإمكانات دعائية وإعلامية ومالية لا نظير لها. في المقابل تمكن الحزب من خفض الفارق إلى 1250 صوتاً فقط وهذا إنجاز يٌبنى عليه للسنة 2013. الخلاصة: "خسرنا بشرف وأثبتنا أن الكورانيين المقيمين أقرب إلينا. نحن نحاكي همومهم الوطنية والحياتية اكثر بكثير".
في المقابل "حركة اليسار الديموقراطي" التي انخرطت بفاعلية في دعم مرشح "القوات" وغطت 30 صندوقاً، توافق ماكينتها على مقولة إن أصوات المسلمين، سنة وشيعة، تساوت بين الطرفين 54 % لـ 14 آذار و46% لـ 8 آذار. في حساباتها أن "المردة" أعطوا أقصى ما استطاعوا 30 في المئة من أصوات الموارنة، إلى الأصوات التي نالها العازار في كوسبا مسقط حليفهم وزير الدفاع فايز غصن وقرى وبلدات أرثوذكسية أخرى. في رأيها هي أيضاً أن العونيين لم يكن لهم حضور وأن النتائج ستعطي القوميين دفعاً للإنتخابات المقبلة إذا أحسنوا التصرف. تشيد هذه الماكينة بفاعلية مكاري ووزنه في الكورة، وبقدرة الدكتور سمير جعجع الإستثنائية على استيعاب الخلاصات ووضع خريطة عمل للمرحلة المقبلة في ضوء النتائج التي انبثقت من الصناديق. جعجع المرشح لرتبة أعلى في تمثيل مسيحيي الشمال خصوصا، وما بعده صوب بيروت في 2013 بإقرار الحلفاء والخصوم وخشيتهم.