حكومة اللاسيادة والنأي بالنفس عن الدستور – 2 (بقلم المحامي جورج ابو صعب)

القسم الثاني: تنازل الحكومة الفاضح عن سيادة الدولة اللبنانية الخارجية

أولا: الاسانيد الدستورية والقانونية للسيادة اللبنانية الخارجية

نعني بالسيادة الخارجية للدولة – ما اصطلح في القانون الدستوري والقانون الدولي العام على تسميته استقلال الدولة وعدم خضوعها لغيرها من الدول – وتعتبر سيادة دولة ناقصة اذا ما احتفظت ببعض مظاهر سيادتها الخارجية وفقدت بعضها الآخر نتيجة خضوعها لعلاقة تبعية لدولة اخرى (راجع الدكتور ابراهيم عبد العزيز شيحا – النظم السياسية والقانون الدستوري – منشاة المعارف – ص 145-146) – وفي هذا الاطار نذكر الركائز القانونية والدستورية لهذه السيادة الخارجية وفق ما يأتي:

1- نصت الفقرة الاولى من المادة الثانية من ميثاق الامم المتحدة على قيام المنظمة او الهيئة على المساواة في السيادة بين جميع اعضائها – وقد نصت الفقرة (ب) من مقدمة الدستور اللبناني على التزام لبنان ميثاق منظمة الامم المتحدة وهو عضو مؤسس في المنظمة وفي وضع الميثاق.

2- نصت الفقرة السابعة من نفس المادة اعلاه على انه ليس في هذا الميثاق ما يسوغ للامم المتحدة ان تتدخل في الشؤون التي تكون من صميم السلطان الداخلي لدولة ما.

3- نصت المادة الاولى من ميثاق الجامعة العربية على انه تتألف جامعة الدول العربية من الدول العربية المستقلة الموقعة على هذا الميثاق – ونصت المادة (2) منه ايضا على ان الغرض من الجامعة توثيق الصلات بين الدول المشتركة فيها… تحقيقا للتعاون بينها وصيانة استقلالها وسيادتها… علما ان لبنان دولة مؤسسة للجامعة ولميثاقها.

4- نصت الفقرة (ب) من مقدمة الدستور اللبنانية على التزام الدولة اللبنانية المواثيق وتجسيدها في جميع الحقول والمجالات من دون استثناء.

5- نصت المادة (1) من الدستور اللبناني على ان لبنان دولة مستقلة ذات وحدة لا تتجزأ وسيادة تامة.

6- نصت المادة (2) من الدستور اللبناني على عدم جواز التخلي عن احد اقسام الاراضي اللبنانية او التنازل عنه.

ثانيا: اوجه تنازل الحكومة عن سيادتها وخرقها للمعايير القانونية والدستورية لتلك السيادة

1- لا تمييز في الاعتداء على السيادة بين شقيق وعدو: ان اي اعتداء على سيادة الدولة الخارجية من اي جهة اتى يعتبر تعديا واحدا خاضعا للقانون الدولي والقانون الدستوري للبلد السيد والمستقل – ما يعني ان اي دولة تعتدي على سيادة لبنان وسلامة اراضيه سواء كانت عدوة او شقيقة او صديقة – تعتبر في حالة اعتداء على السيادة اللبنانية الارضية او الترابية او الجوية او المائية (انطلاقا من ان السيادة لا تقتصر فقط على التراب بل تشمل المجالين الجوي والبحري للدولة السيدة المستقلة).

ولعل في هذا المبدأ عقدة العقد مع "حزب الله" وفريق "8 اذار" الذي يعتبر ان الاعتداء على السيادة اللبنانية لا يأتي الا من العدو الاسرائيلي وكل ما عداه من اعتداءات من طرف النظام السوري او النظام الايراني – فهو مسموح ومباح، لا بل لا يمكن وصفه بالاعتداء ولو دخلت القوات المسلحة الغاصبة الاراضي اللبنانية وانتهكت سيادة الدولة والارض والمؤسسات الرسمية وامن الشعب اللبناني وقتلت اللبنانيين ودمرت الارزاق والمرافق العامة والخاصة – فهذه من الظواهر الطبيعية بالنسبة لـ"الحزب" وحلفائه وتفرضه طبيعة ما يعتبرونه عن باطل – ضرورات المواجهة والمقاومة والممانعة الفارغة من محتواها مع توجه السلاح المقاوم الى صدور اللبنانيين تمام كما يتوجه السلاح السوري لنظام دمشق حاليا الى صدور الشعب السوري.

وبالتالي، فإن القانون الدولي لا يدخل في توصيفات الشقيق او العدو – بل يضع قاعدة قانونية عامة مفادها ان للدولة سلطان كامل على الاشخاص والاموال والاقليم وحريتها مصانة ومحمية قانونيا ودستوريا في تصريف شؤونها الخارجية دون اي اعتداء على اختصاصاتها وسيادتها واستقلالها ووحدة اراضيها – الامر الذي يولي الدولة المعتدى عليها السلطة المطلقة والكاملة والقوة الشرعية دوليا ودستوريا في اتخاذ كافة الاجراءات للتصدي للاعتداءات ولفرض سيادتها ولو بالقوة على المعتدي.

2- خرق الجيش السوري مبدأ السيادة الاقليمية للدولة اللبنانية وتغطية السلطات اللبنانية له: ان لبنان دولة سيدة حرة ومستقلة – ما يعني ان سيادتها كما سيادة اي دولة تمتد على صحنها الاقليمي (assiette territoriale) المتمثل بترابها الوطني المثبتة حدوده بموجب المادة (1) من الدستور – فضلا عن سيادتها على فضائها ومياهها الاقليميين – ما يعني في القانون الدولي ان لا دولة سيدة الا من خلال اقليم حر ومستقل تقام عليها سلطة حصرية لدولة تأخذ قراراتها سياديا لا يعلو سلطانها اي سلطان اخر، ولا يمارس عليه الا سلطان هذه الدولة وممارستها لاختصاصاتها السلطوية الشرعية الحصرية. (مراجعة PIERRE –MARIE DUPUY – DROIT INTERNATIONAL PUBLIC – DALLOZ – 3emeEDITION –PP.24 -25 et suiv.) ) – واكدت محكمة العدل الدولية في رأي استشاري لها بموضوع قضية النزاع المتعلقة بالصحراء الغربية ان "الاقليم هو محدد السيادة" le territoire marqueur de la souverainete – وقد وضع هذا الراي الاساس القانوني الدولي لعلاقة الاقليم بالسيادة الدولية او الخارجية للاقليم (avis consultatif de la CIJ dans l'affaire du sahara Occidental – Rec.1975 – p.39- parag.80-81 ) – وبالتالي ان اي خرق او اعتداء على اي من ترابها او مياهها او فضائها يعتبر خرق لسيادتها – فمثلما نعتبر جميعنا ان اسرائيل بخرقها التراب الوطني والفضاء الوطني والمياه الاقليمية الوطنية انما تخرق السيادة اللبنانية ولنا مع العدو الاسرائيلي أكثر من محطة وجولات وتاريخ حافل وهو العدو الاول للبنان واللبنانيين – كذلك ان الخروقات التي يقوم بها الجيش السوري التابع لنظام بشار الاسد في لبنان، وتحديدا في المناطق الحدودية الشمالية والبقاعية يعتبر في نظر القانون الدولي خرق للسيادة اللبنانية – وارتدت هذه الخروقات عدة اشكال نعطي منها بعض الامثلة المادية:

أ- اجتياز الحدود كما حصل في 28 اذار 2012 …

ب- اطلاق النار على داخل الاراضي اللبنانية وقتل لبنانيين كما حصل في عرسال بتاريخ 18 كانون الاول 2011، مقتل المصور في قناة "الجديد" علي شعبان في وادي خالد بتاريخ 9 نيسان 2012 وفي مشاريع القاع بتاريخ 27 نيسان 2012 وتحديدا في منطقة القاع وفي كفرقوق بتاريخ 27 ايار 2012 وسواها…

ج- خطف مواطنين لبنانيين كما حصل في مشاريع القاع بتاريخ 11 ايار 2012 وبتاريخ 31 ايار 2012 في خراج بلدة عرسال وخطف عنصري الامن العام في منطقة البقيعة بتاريخ 1 تموز 2012…

د- زرع الغام داخل الاراضي اللبنانية بتاريخ 13 حزيران 2012…
واللائحة لا تزال طويلة وتزداد حالات خرق واعتداء على السيادة اللبنانية يوميا وحتى ساعة اعداد هذه الدراسة…

وبالتالي، فإن على الدولة اللبنانية الممثلة بحكومتها الحالية صلاحية وواجب واختصاص الدفاع عن حدودها وعن مواطنيها في وجه هذه الخروقات – الا ان السلطات اللبنانية لم تتخذ الى الان اي تدبير بهذا الاتجاه لتثبيت سيادتها الاقليمية باستثناء بيان المديرية العامة للامن العام بتاريخ 2 تموز 2012 المبرر للخرق السوري ليس فقط للسيادة اللبنانية الترابية بل وايضا لحصرية الاختصاص الامني داخل الاراضي اللبنانية والذي يجب ان يكون بموجب القانون الدولي حصريا بيد سلطة الاقليم ودولة الاقليم واجهزة دولة الاقليم بدءا من الامن العام اللبناني نفسه.

ونشير في هذا السياق الى ان ما اعلن منذ ايام عن وضع الجيش اللبناني لخطة انتشار على الحدود الشمالية، وما تلى الاعلان من بيانات ومواقف توضيحية من المراجع الرسمية (سواء وزير الداخلية مروان شربل او قائد الجيش العماد جان قهوجي) أضفى بعض الغموض على اهداف واليات تلك الخطة – لانها في وقت أشير الى نشر دوريات مؤللة على الحدود – عادت تصاريح تتكلم عن "التعامل مع المسلحين" ليأتي بيان قيادة الجيش اللبناني بتاريخ 10 تموز يتكلم عن "رد الدوريات على مصادر النار بالاسلحة المناسبة" دون توضيح من هو مصدر مطلقي النار؟ مسلحون او جيش الاسد؟

الا انه تبقى الاشارة الى غياب المعالجة اللبنانية السيادية للخروقات والاعتداءات السورية على السيادة اللبنانية – واكتفاء الحكومة:
اما بتغطية الخروقات بنسبها الى اخطاء ميدانية (كما صرح وزير الخارجية اللبناني اخيرا وقبله تصريح وزير الدفاع اللبناني فايز غصن المتبني لادعاءات نظام الاسد والمسهل بالتالي لتدخل عسكري سوري يهدر دماء اللبنانيين وارزاقهم وسيادة الدولة اللبنانية على ارضايها وشعبها)

واما بالتزام الصمت والنأي بالنفس عن الشعب اللبناني وما يتعرض له من اعتداءات اسدية عليه ومن غياب لحماية الدولة له… ظاهرة اقل ما تعنيه تنازل الدولة اللبنانية عن سيادتها الخارجية في هذه البقعة الهامة والخطيرة من لبنان…

وبالتالي تنازل الدولة اللبنانية عن حقها القانوني والدستوري والشرعي والسيادي في منع الاعتداءات وايقافها بكافة الوسائل العسكرية والديبلوماسية والامنية… وحماية ارواح وممتلكات مواطنيها ورعاياها على ارضها…

واستطرادا – تكون الحكومة بالاضافة الى تخازلها وتخليها عن حصاناتها السيادية قد خالفت مقدمة الدستور ولا سيما البند (ب) منها وخرقت مبدأ التزامها شرعية المواثيق الدولية والعربية، كما خرقت المادتين (1) و(2) من الدستور بقبولها الضمني ونأيها بنفسها عن تمام سيادتها من جهة وعن تمسكها بكافة اقسام الاراضي اللبنانية وقبولها بالتنازل عن قسم منها للغرباء والمعتدين والهجانة السورية وبلطجية نظام الاسد المحليين والسوريين…

ونتيجة لتلك الخروقات للدستور واذا اخذنا بالاعتبار تمتع الحكومة الحالية باكثرية وليدة ترهيب وارهاب القمصان السود في المجلس النيابي – الا ان جزاء خرق الدستور معاقب عليه دستوريا بالاستناد الى المواد (70) و(71) و(80) من الدستور ونقترح في هذا الاطار على نواب المعارضة:

* اتخاذ المبادرة الرقابية والبرلمانية بالبدء فورا بحملة سياسية واعلامية لحشد الراي العام ضد خيانة الحكومة العظمى للبنان وسيادته واخلالها بالواجبات المترتبة عليها – وتشكيل كتلة رأي عام ضاغطة تنضم اليها الجمعيات الاهلية وقطاعات المجتمع المدني والحقوقيين وجممعيات حقوق الانسان…

*حملة اتصالات نيايبة – ديبوماسية بالدول الكبرى والمؤثرة في الوضع في المنطقة لوضعهم في صورة الخيانة العظمى للحكومة اللبنانية المتواطئة على اللبنانيين وعلى قسم من الارض اللبنانية المستباحة من الاغراب والمعتدين على السيادة اللبنانية وأمن اللبنانيين وصولا الى محاولة اقتحام السد البرلماني المصادر لارادة اللبنانيين واكثريتهم الحقيقية في داخل قبة البرلمان… وبالطبع مقاطعة طاولة الحوار نهائيا ليس فقط من اجل اعطاء كامل الداتا الى الاجهزة الامنية، بل وايضا وفي نفس المرتبة من اجل اسقاط ومحاكمة الطغمة الفاسدة والحاكمة والمتأمرة على مصائر اللبنانيين وسيادة واستقلال لبنان…

يتبع القسم الثالث: تخلي الحكومة اللبنانية عن حقوقها السيادية في العلاقات الديبلوماسية بموجب اتفاقية فيينا لعام 1961 وتغطيتها للانتهاكات السورية.


لقراءة القسم الأول "قبل انهيار الجمهورية الدستورية"

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل