قد تملي فروض الازدواجية السياسية بل التكاذب المصلحي، ان تعود المياه الى مجاريها داخل الحكومة غدا كأن شيئا لم يكن اليوم وامس. ولكن ذلك لا يعني على الاطلاق اسقاط الحقائق التي خلفتها تلك الظاهرة الجاهلية البشعة، ظاهرة الازدراء بالناس وتحويلهم رهائن"غب الطلب"الفجائي على الطرق، وتحديدا هذه المرة على ايدي "اصدقاء الجيش".
بداية حسنا فعل الجيش بعدم السماح لأدعياء صداقته – كما تعامل مع المتحاملين عليه – بأن يقيموا واقعا زائفا خطيرا كهذا يعمم الانطباع ان اللبنانيين منقسمون بين "أصدقاء" للجيش واعداء له. فالمعادي للجيش هو بكل بساطة خائن للوطن.واذا كان من يدعي لنفسه حب الجيش الى هذا المستوى الخانق فهو يستثمر هذا الزعم لمصالح مكشوفة لا حاجة الى تبيانها.
ثم ان الحرص الفعلي على الجيش يستدعي صدقا في الممارسة والموقف يوازي تماما ان لم يتجاوز الدعم اللفظي.في تلك الجلسة الماراتونية لمجلس الوزراء في مطلع الاسبوع الماضي، حصلت تسوية سياسية عرجاء فاقت بقبحها خطأ ارتكب في معالجة حادث الكويخات. وبناء على رفض الرافضين لاحالة هذا الحادث على المجلس العدلي، اجترح افرقاء الحكومة مخرجا "توافقيا" داس مرة اخرى الاصول. وافق الرافضون كالمؤيدين على اعادة التوسع في التحقيق بما يعني بوضوح احتمال توقيف الضباط الثلاثة. لو كان للصدقية ان تأخذ مجراها الحقيقي لكان على الرافضين آنذاك، وفي اللحظة الفورية ان يستقيلوا من الحكومة، لا ان يتركوا الامر يمضي في مجراه اسبوعا قبل ان ينقضوا على الناس في ساعات الذروة ويلتحقوا بظاهرة قطع الطرق وتعميم هذه "الحضارة". امر آخر لم يعد يحتمل جدلا في صيف قطاع الطرق الذي حول لبنان "جمهورية مضارب" تنصب فيه خيم القبائل الطائفية والمذهبية في طوله وعرضه، من شماله الى جنوبه، وما بينهما في الوسط. هو الامر المتصل بحكومة رجلها في السلطة ورجلها الاخرى في الشارع. بل ان بعض كبار نافذيها استقطع بمياوميه قطاع الكهرباء المتهاوي ممعنا في دفعه نحو الانهيار لتحكيم الزعامة، فيما استطاب الآخرون لعبة الازدواجية في تصيد المكاسب الطائفية والانتخابية الموهومة في الشارع والبصم على التسويات في مجلس الوزراء في تناقض فاقع. هذه الحكومة تقف على مشارف تحقيق الكارثة المحققة في كل شيء. ولا شيء ينفع بعد الان اقل من صدمة سياسية تودي بها اقله احتراما لبقية باقية من صدقية لدى من يحرص على النفاذ بها قبل فوات الاوان وقبل ذوبانها بالكامل. ولا حاجة الى التذكير بان اي تهويل بفراغ حكومي ليس ولن يكون اكثر من فزاعة فارغة من اي محتوى لان ما من فراغ اسوأ من فراغ المسؤوليات على النحو المخيف الحالي، حيث معظم السلطة تحول كابوساً حقيقياً للناس.كما ان ليس من فراغ اسوأ من فراغ القامات هذا في صيف لبنان الحارق والمحروق، والذي بات اللعب بالنار في رحابه ينذر باكثر مما يتراءى لقطاع الطرق المستهينين بهوايتهم كما بالناس.