#dfp #adsense

كانديد

حجم الخط

  "يلاحظ هيغل، في مكان ما، ان الافكار التاريخية والرجال التاريخيين، يظهرون مرتين، نسي ان يضيف، المرة الأولى كمأساة، الثانية كمسخرة".
ماركس

تحول سرعة الايقاع في "كانديد" المآسي الى مساخر. العشرات منها تتكدس أكواماً من الاغتصاب والجثث والكوارث وبقر البطون. يخرج "كانديد" من بلده العزيز، ويستفاليا، الى هولندا,، البرتغال، جنوب أميركا، فرنسا، انكلترا، البندقية وتركيا. يشاهد ويسمع عن الاحوال، القراصنة بحراً وبراً. الزلازل والاوبئة والفتك بالضعفاء والمساكين والمنسيين والمتخلى عنهم. صور متحركة بسرعة، من دنيا العبث والظلم والرمي بالبشر الى الموت، غير معطى لهم حتى اكفانهم. لا غوث في الدنيا التي حمل فيها فولتير بطله، وقال له، تفضل،هذا هو عالمك أيها العالق في كوكب الشر والطغيان.

بالايقاع السريع اياه تنقل "كانديد" في ارجاء لبنان في الآونات الاخيرة. من مدخل طرابلس الى مدخل صيدا مروراً بمدخل بيروت الدولي والقرى والاقضية. العبث في كل مكان. مشاكل مفتوحة وأبواب مسدودة وآفاق صدئة من الداخل ومقفولة (من قفل) من الخارج، ولا احساس بشيء. الناس في "كانديد" من المطاط. مخلوقات ثديية تقص علينا ما يحدث، مثل حكواتي قهوة "الاجاز". لا علاقة لها الا بالسرد وتتبيل الحكاية.

ضحك "كانديد" حتى انقلب على قفاه وهو يقرأ الفيلسوف الالماني ليبنز يقول – لكم جميعاً – إن هذا العالم هو أفضل ما هو متوافر. لا تشكوا كثيراً مما زرعتم. فتحت أماكم صناديق الاقتراع فاقترعتم على ثوب بلادكم. يصيح الديك في ثيابكم وتفح الافاعي في جيوبكم. تبلدت عقولكم. تحجرت فيكم شرايين الانس، وهذا هو انتم. اسألوا "كانديد" فهو صريح وقلبه أبيض على رغم كل ما يرى. لن ينضم الى فرق الخراب وقحة الفراغ.

صار التنافس على التخلّف لا على الرقي. اتقدت الغرائز وذبلت المشاعر المتصادقة. تحترب الدهماء، والاوادم يختبئون طلباً للسترة. "غداً يعزف النشيد الوطني ونحن جالسون" تنبأ أنسي الحاج منذ 50 عاماً، وهو يتأمل في موقف مواطنيه من القانون والمستقبل والانسان.

صار بلدكم يعرف بالطرقات لا بالاماكن واسماء الكبار: طريق صيدا طريق المطار طريق حلبا. هذا بلد كانت تغبطه الامم على فهرس المواقع: صيدا، صور. بعلبك. الندوة اللبنانية. كان العمود السابع في القلعة، من فقر وشعر ونفس أعلى من جميع الاقواس، وكان اسمه ميشال طراد، وعلامته، ما بين الارض والسماء، قصيدة الام فوق سرير وليدها.

دعونا من الحزن ولنعد الى مشاهدات "كانديد" وتجواله في أرضكم، الحزن كان يبكي، والآن صار بياناً مقتضباً يصوغه مكتب اعلامي. هل رأيتم أحداً من دون "مكتب اعلامي". يكلف السياسيون مكاتبهم الاعلامية الردّ على التصاريح. فهم، شخصياً، لا ينحدرون الى مستوى الرد على الخصوم البائسين. يتولى المكتب الاعلامي الرد. ايها التاريخ طأطئ رأسك ووسّع أبوابك.

كان الفرزدق، هجّاء الشعر الأموي، يقول، أولئك أبنائي فجئني بمثلهم. تضرب على قامتك. عندك مكتب اعلامي، عنا عشرة. واحد للسقايات. واحد للصرامي العتيقة. واحد لكل من يرفع رأسه أو صورته، مسموح فقط رفع الاذنين لكي تعرف متى عليك ان تنزلها.

قبل ان يعلن فولتير يأسه النهائي بالجملة الشهيرة: “فليستنبت كل منا حديقته"، كان الناصري قد أعلن ببلاغته الطفولية، ان مملكته ليست من هذا العالم. تطلع في الوجوه التي حوله وفي طباع مواطنيه وتساهل بطرس مع فظاظة الشر وشهوة الصلب، وتأمل الجمهور الهتّاف وهو يتلذذ بمشاهد العذاب وآلام الشوك، وقال، مملكته ليست من كل هذا. اللعنة على كل هذا.

يعلم "كانديد" وهو يتناول طعام العشاء في البندقية ان ستة من حكام العالم المخلوعين لجأوا الى مدينة الجداول والمراكب المغنية: احمد الثالث وايفان الرابع وتيودود الذي من كورسيكا، وثلاثة آخرون نسيت اسماءهم. وماذا يهم. فهم مخلوعون. فمن منكم يتذكر والناس تهتف لمحمد مرسي ان محمد حسين مبارك في سجن طرة ممنوع عليه الهاتف الذي كان يحدّث فيه أوباما وتطمئن به الى صحته الفراو ميركل، الرجل القوي في أوروبا اليوم. من منا يتذكر ماذا كان يشتغل نيكولا ساركوزي؟ طبعاً عدا تلك الشغلة التي بدأت الكتب تصدر عنها، كما هي عادة فرنسا منذ ان بدأت الكونتيسة دو سيغور تحكي حكاياتها الملعونة. "يا صبي يا ازعر يا لذيذ" كتب فؤاد كنعان في وجوديته الماجنة قليلاً. فاتنة تجلس قبالته وقد قصت شعرها "ألا غارسون"!

لم يتغيّر العالم كثيراً عما كان أيام "كانديد". المخلوعون المتفاوتون في النهايات والمنافي. والغوغاء لا تعرف لمن تهتف لسرعة المتغيرات.
جاء ليبشر بالخلاص فوجد نفسه ملتفاً بإكليل من الشوك، من حوله لصان، ومن تحته هتافون يطلبون العفو للص. كثير هذا حتى على رسالته. ولم يستطع ان يرفع رأسه فلوى عنقه دامعاً: ابي لماذا تركتني؟ قبل، من أجل ان يتم ما جاء في الكتب. هل من الضروري ان يتم ما جاء في الكتب؟ وهل تنص الكتب على ان بيلاطس هو الأكثر رحمة بين المعنيين، ركض يغسل يديه لئلا تتجمد الدماء السوداء عليها؟

تنسب الى غلوكون، شقيق أفلاطون الاكبر حكاية "خاتم الاخفاء". وخلاصتها ان راعياً من ليديا عثر على خاتم يجعله غير مرئي اذا اداره في اصبعه ثم مرئياً من جديد. بسحر الخاتم أغرى زوجة الملك ثم قتلا الملك معاً واحتل هو العرش. يتساءل غلوكون: ألن يتصرف كل انسان هكذا؟ يسرق من السوق ما يشاء، وينام مع من يشاء، ويقتل من يشاء، وبعد ذلك كله يتظاهر بالعفة والنزاهة، ما دام لم يضبط بالجرم المشهود؟

الجميع يحذرون من الفتنة وهم مفتونون بها. كأن ما يحدث ليس فتنة. او كأن غياب السلوك الاخلاقي ليس فتنة. او كأن التهديد ليس فتنة. او كأن اللغة السائدة ولهجتها ليسا فتنة كبرى. او كأن الاندفاع العام نحو العدم والظلام ليس فتنة. او كأن الاستثنائية والانتقامية في النظر الى الشطط والجريمة ليستا خبث الفتنة.

"كانديد" لم يستثن أحداً ولم ينتق في الجريمة او المأساة. وعندما قرر والت ويتمان ان يتطوع ممرضاً في الحرب الاهلية، قرر ان يسعف الفريقين المتحاربين. فكلاهما قاتل يستحق التنديد، وكلاهما قتيل يستحق الشفقة والرثاء. وقد سخر "كانديد" من العقول التي تمهد لطريق واحد، هو الغبار والدماء. وقال لنا انه ما دامت الناس تؤمن بالعبث فسوف يستمرون في ارتكاب الفظاعات.

ينزل الاوروبيون الى الشوارع من أجل الخبز والكفاية والرفاه. تحترق مدريد وتشتعل لندن، من أجل عمال المناجم. قضمت الحكومة اللبنانية رغيفاً من ربطة الخبز فقام الشعب من أجل شادي مولوي وحارق "الجديد". ويختار الشيخ احمد الاسير على رغم حلق الرأس وارسال اللحية، ان يتحدث بالعامية. هذه ايام نتذكر فيها بالكثير من التقدير البطريرك مار نصرالله بطرس صفير، الذي لم يتلفظ بكلمة عامية واحدة. لا داخل الكنيسة ولا خارجها. لا في الجد ولا في تلك الابتسامة الولدانية الخافية الجراح. لا يجوز ان تخطئ في عين المضارع. ولا في اي شيء. فإن فعل الندامة ليس اسطوانة تدار فتمحو تلاوتها كبائر الامور وصغائر الالفاظ، فعل الندامة لا يتلى الا مرة واحدة.
أشعر بندم لانني لا اعرف البطريرك الذي علمنا احترام الكلمة وكأنها حقاً كانت عند الله. ثمة مقامات يمنع عليها الارتجال والاستعجال. فاتتني الفرصة، يوم دعاني السفير سيمون كرم الى العشاء في منزله، معدداً أسماء الضيوف: البطريرك، الشيخ ميشال الخوري، اللواء احمد الحاج. قاطعته قائلاً: لا تكمل. فهذا يبدو مثل العشاء السري، وانت لست في حاجة الى خوارج! نريد من المؤمنين ان يؤمنوا أيضاً بمدى دقة المواقع التي بلغوها. ان يعظ الشيخ احمد الاسير كيف تفتح صيدا أبوابها لكل اللبنانيين وجميع العرب، لا ان تحول مرة اخرى الى مدخل الى الفتنة. وان يؤم المصلين في مسجد بلال، لا المعتصمين على مدخل هذه القرية، الجريحة أبداً، المحزونة في الحرب وفي السلام.

أذكر صيدا من يوم كانت بلون الفل وعطر زهر الليمون. ذلك زمن رومانسي لن يستعاد في أي مكان. لكننا لا نريد الدخول في زمن آخر. لا نريد ان نشعر بأن كل ما يمكن استعادته هو زمن الفتنة والتفرقة اللتين بدأهما الاتراك ولم تنتهيا حتى الآن. كان انطون سعادة يقول ان الشرط الاول في اصول الحكم هو المعرفة، لا الوراثة. فلنرم ذلك الميراث القبيح من الدم والحزن والثأر ورحى الاحقاد والكره.

المصدر:
النهار

خبر عاجل